أخطر ما جرى ويجري في السودان ليس فقط تعدد المليشيات، بل تزوير معنى الوطن نفسه، حين جرى إلصاق جهاز أمن الحركة الإسلامية، وهيئة العمليات، وفيلق البراء قسرًا بالدولة، ثم تقديمهم للرأي العام باعتبارهم “حماة الوطن”، بينما الحقيقة أنهم مليشيات تنظيمية مباشرة، وُجدت لحماية مشروع أيديولوجي لا لحماية شعب.
هذه التشكيلات لم تنشأ من رحم عقد وطني، ولم تخضع يومًا لتفويض شعبي أو رقابة دستورية. نشأت كأذرع تنظيمية، ولاؤها للفكرة لا للدولة، وللقيادة الحزبية لا للمؤسسة، واستخدمت العنف كأداة سياسية. ومع ذلك، جرى تمرير أخطر معادلة في تاريخ السودان الحديث: من يعادي هذه المليشيات يُوصَف بأنه يعادي الوطن. هذه ليست دعاية عابرة، بل وقاحة سياسية كاملة، تهدف إلى خنق أي صوت نقدي، وتجريم أي محاولة للمساءلة.
جهاز أمن الحركة الإسلامية لم يكن جهاز مجتمع، بل جهاز تنظيم، صُمم لملاحقة الخصوم، لا لحماية المواطنين. وهيئة العمليات لم تكن وحدة مهنية محايدة، بل قوة ظل، تُستدعى حين يريد التنظيم إنجاز القمع دون أن يترك بصماته الرسمية. وفيلق البراء لم يكن تشكيلًا وطنيًا جامعًا، بل ذراعًا عقائدية جرى تعميدها بخطاب الحرب، وتحويلها إلى “رمز” زائف للوطنية، بينما تحمل في جوهرها هوية إقصائية لا ترى السودان إلا من ثقب التنظيم.
الأخطر من وجود هذه المليشيات هو طريقة فرضها على الوعي العام. جرى خلط متعمد بين الجيش والوطن والتنظيم. انتقاد المليشيا صار خيانة، والمطالبة بالقانون صارت طعنًا في الظهر، والسؤال عن المحاسبة صار خدمة للعدو. بهذه الطريقة، لم تُصادَر السياسة فقط، بل صودرت الوطنية نفسها، وحُوّلت إلى أداة ابتزاز أخلاقي: إما أن تصمت، أو تُتَّهم.
الحرب كانت الهدية الأكبر للتنظيم. تحت شعار “الضرورة” عادت الشبكات القديمة، وأُعيد تدوير الكوادر، وتقدمت المليشيات خطوة للأمام بينما تراجعت الدولة خطوتين للخلف. كل تأجيل للمدنية استُثمر، وكل فوضى استُغلت، وكل دمعة ودم صارا غطاءً لإعادة التمكين. النتيجة واضحة: مجتمع مُرهق، دولة أضعف، وتنظيم أكثر التصاقًا بمفاصل القوة.
هذه التشكيلات ليست مجرد أدوات قتال، بل أدوات لَيّ ذراع السودانيين. وجودها داخل بنية الدولة يكفي لتخويف الناس من الكلام، ولإرباك الصحافة، ولشل السياسة. لا تحتاج لإعلان قمع، فالسلاح حاضر، والحدود ضبابية، والخوف يقوم بالباقي. وطن يُدار بهذه الطريقة لا يُحمى، بل يُحتجز رهينة.
الدولة لا تُبنى بالرمادي. لا توجد قوة مسلحة “نصف وطنية”. إما سلاحٌ يخضع لقانون واحد، وعقيدة مهنية واحدة، وسلسلة قيادة واحدة، ومساءلة واضحة، أو هو مليشيا مهما ارتدت من شعارات. إدخال المليشيا تحت لافتة الدولة لا يُحوّلها إلى مؤسسة، بل يُحوّل الدولة إلى واجهة.
المطلوب ليس شعارات ولا تخوينًا مضادًا، بل قطيعة واضحة: تعريف صارم لمن يحمل السلاح، تفكيك حقيقي لا شكلي، نزع احتكار الوطنية من يد أي تنظيم، وعدالة انتقالية تضمن عدم تكرار هذا الخراب. بدون ذلك، ستظل المليشيات تتبدل أسماؤها، بينما يبقى الجوهر واحدًا: تنظيم فوق الدولة، وسلاح فوق القانون.
السودان أكبر من أي تنظيم، وأقدم من أي مليشيا، وأعمق من أي خطاب تعبوي. ومن حق السودانيين أن يقولوا بوضوح، دون خوف أو مواربة: الوطن ليس مليشيا، ومن يختطفه باسم الوطنية هو عدوه الحقيقي.
ولا تصبحوا ببغاوات ترددون عبارة الكيزان الخبيثة ( ده ماوقتو )




