*رسالة الي الشريف في ذكرى رحيله :: 36 بقلم مهدي زين*

——————
سلامٌ عليك يا أبا هاشم في الخالدين ، وسلام عليك يا أبا هاشم في زمرة الشهداء والصديقين ، وسلام عليك يا أبا هاشم في ثلة الأولين والآخرين ، وسلام عليك يا أبا هاشم في ذرى عليين ، وسلام عليك يا أبا هاشم على ضفاف أنهارٍ لذة ٍ للشاربين ، وسلام عليك يا أبا هاشم في جوار سيد المرسلين .

لك السلام ياسيدي الشريف من أهلي في الجزيرة ( مطروحة الجبين من سوبا لي سنار ) لك السلام يا سيدي من أهلها ، ومن مدنها ، ومن قراها ، ومن كنابيها ، ومن خزانها ، ومن كناراتها ، ومن بياراتها ، ومن قناطرها ، ومن سراياها ، ومن ترعها ، ومن حواشاتها ، ومن أمّات عشرينها ، ومن أمات ستاتها ، ومن تَقَانِتها ، ومن أنَاقِيها ، ومن سراباتها ، ومن أنعامها ، ومن عصافيرها ، ومن سنبرياتها ، ومن طير بقرها ، ومن رهوها ، ومن سناجبها ، ومن أرانبها ، ومن زواحفها ، ومن كل دابة تخرج في أباطحها ، ومن أبيضها ، ومن أزرقها ، ومن دندرها ، ومن رهدها ، ومن صيفها ، ومن خريفها ، ومن شتائها ، ومن أرضها ، ومن سمائها .

لك السلام ياسيدي الشريف من أهلي في الجزيرة وأنت تجلس معهم عندما كنت وزيراً للري والقوى الكهربائية المائية تحت ظل الكراكات والنخلات المشرئبات إليك على ظهر الترع ، تشرف بنفسك على تطهير القنوات ونظافتها من مدخل سنار الي تخوم المسيد والمناقل مروراً بمزيقيلا والحاج عبد الله وقناطر ٥٧ و ٧٧ و ٩٩ ، وتأكل معهم كسرتهم البائتة بالملح وماء الجدول ، وتضحك معهم ، وتنام على جوالات الخيش لا تخاف لسع العقارب ولا لدغ الحيات ، وحين يداهمك الإعياء ويصيبك الهزال ويستدعي الأزهري الطبيب يندهش الجميع من تشخيص الطبيب لك بأنك جائع فيقرر الزعيم حبسك ويفرض عليك الأكل !!!

لك السلام يا سيدي الشريف من أهل الجزيرة وأنت تدافع عن حقوقهم في الحساب المشترك عندما أصبحت وزيراً للمالية وناديت بزيادة نسبتهم وتقليل نسبة الحكومة ، ونقلت مكتبك الي المشروع تتجول في أقسامه الثمانية عشر ، وتفاتيشه المائة وأربعة عشر ، ومكاتبه الثمانية والستين ، ورئاسة إدارته ببركات … لم تكن ساحراً ولا كاهناً ولا عرَّافاً كما زعموا ، ولكنك كنت بما أُوتيت من فراسة وفطنة وذكاء تعرف كل لوزة قطن في المشروع ، وتعرف عدد الأفدنة المزروعة قطناً ، وتعرف تقدير عائداتها ، وتعرف عدد العمال المطلوب لجني القطن ، وتصرف السلفيات للمزارعين في موعدها ، وتوفر المدخلات في موعدها ، وتُصين المحالج في موعدها ، وتحصي جوالات القطن ، وتعرف عدد البالات ، وتعرف سعرها في أسواق العالم ، ولا تترك فرصة لسمسار يغتني من أموال المزارعين ، وتعرف تماماً عائدات القطن التي ستؤول للخزينة ، لذلك كنت مدهشاً وأنت تتلو خطاب الميزانية عن ظهر قلب .

مات المشروع يا سيدي الشريف وماتت معه الجزيرة … تصدَّع الخزان ، وجفَّت الكنارات ، وانهارت البيارات ، وتهدمت القناطر ، ورُدمت الترع ، و نفقت الأَنْعَام ، وهاجرت العصافير والطيور ، ورحلت السناجب والأرانب ، واغترب الشباب في مناكبها … جاءنا ولاة اختزلوا الجزيرة في التسوق والسياحة ، وجاءنا وزراء لا يغادرون مكاتبهم ولا قصورهم ويرفلون في النعيم ، صديقك محمد صالح عمر بريء منهم الي يوم الدين … جاءوا يحملون معاول هدم لم تذر شيئاً أتت عليه الاّ جعلته كالرميم ، فككوا قضبان سكك حديد المشروع التي كانت تنقل مدخلات ومخرجات الإنتاج بين بركات وأقسام المشروع المختلفة وباعوها خردة !! وفرضوا قانوناً جديداً أفسد كل شيئ ، يسمح بزراعة الباميا بجوار القطن – وهذه أدنى سيئاته – !! وحلّوا اتحاد المزارعين ، وشردوا العاملين ، وباعوا المحالج والمطاحن وسرايات المفتشين لمحاسيب حزبهم ، وباعوا أصول المشروع في بورتسودان ولندن ، وجلبوا التقاوي الفاسدة واستكتبوا المزارعين تعهدات تبيح لهم مصادرة الأرض إذا فشل صاحبها في سداد ديونه ، ودمروا الأبحاث والهندسة الزراعية وكونوا شركاتهم الخاصة وحصلوا على أكثر من ٧٠٠ مليون دولار ( سبعمائة مليون دولار ) من أموال الشعب بدعوى شراء الكراكات ومازالت الترع تملؤها الصوفة والمسكيت والطمي !!!

لك السلام يا سيدي الشريف من أحبابك جنود بند العطالة الذين دخلوا كلهم الآن سن المعاش وقد كانوا يوماً عماد الخدمة المدنية بسبب نظرتك الثاقبة التي لم تترك خريجاً واحداً عاطلاً عن العمل بتخصيصك ذلك البند في ميزانية الدولة … عشنا يا سيدي الشريف حتى رأينا وزراء للمالية يسبون الشعب تحت قبة البرلمان ، ويقولون بالفم المليان ( ليس مطلوباً من الحكومة أن توظف الناس ) !!! وهم أنفسهم الذين أحالوا عشرات الآلاف من أبناء الوطن لما أسموه الصالح العام ، وقاموا بتعيين أعضاء حزبهم ومكنوا لهم طوال ربع قرن من الزمان !!!

لك السلام يا سيدي الشريف من ثمانمائة ألف خريج تراكمت أعدادهم على مدى ربع القرن الماضي لأن حكومة هذا الزمان غير مسئولة عن توظيف الناس الذين لا ينتمون لحزبها ولا يدينون دين الحق من الذين كفروا بالإنقاذ !!!

لك السلام يا سيدي الشريف من المدن والأرياف التي زودتها بالمستشفيات الروسية الجاهزة Prefab Hospitals والتي كانت تحفة من الجمال والنظافة والأداء … في العاصمة تم هذا الشهر إغلاق مستشفى الخرطوم ، وسبق ذلك إغلاق مستشفى جعفر بن عوف التخصصي للأطفال ، وأصبح العلاج بتكلفته الباهظة غير متاح لأحد غيرهم ، زادهم الله مرضاً .

لك السلام يا سيدي الشريف من أهل السودان الذين يستلهمون سيرة نضالك الجسور ضد الديكتاتورية الثانية ، ويستضيئون ببشاراتك بالثورة من خلال خطبك الإذاعية ورسائلك عبر الكاسيت حتى أطل عليهم فجر أبريل بعد ثلاثة أعوام من رحيلك .
إنهم يصارعون اليوم يا سيدي الشريف نظاماً ديكتاتورياً باطشاً يتدثر بدثار الدين ، ويقتل باسم الدين ، ويسرق باسم الدين ، وينهب باسم الدين ، ويفسد باسم الدين ، ويسافح باسم الدين ، ويتاجر بالمخدرات باسم الدين ، ويفني شعبه بالنفايات باسم الدين ، ويأكل أموال الزكاة باسم الدين ، ويسرق أموال الحجاج باسم الدين ، ولم يترك رذيلة صغيرة ولا كبيرة الا ارتكبها باسم الدين !!!

لك السلام يا سيدي الشريف من أهل السودان الذين يسألون عن قصرك فيُشار اليهم الي بيت متهدم في أطراف بري لا يعلو شبراً واحداً على بيوتها وتحجب عنه الهواء شاهقات الذين يتطاولون من أهل الحكم . كان بيتاً متواضعاً يضج بالحركة حين كنت وزيراً ، ولم تكن تجد فيه سريراً تنام عليه فتخرج الي استراحة أحبابك المزارعين تلتمس فيها اتكاءة ، وحتى ملابسك لم تكن ملكك ، ولم يقف على باب بيتك حرس ، ولم يكن ذلك الباب يغلق !!!

في الخالدين يا سليل الكرام ، وسقى الله قبرك هاطلاً من الرحمات ، وعطر لحدك بأريج من عبق الجنان .

Mahdi Zain محمد سيداحمد سرالختم ميزان الدهب Tamani Alhindi Siddig AlhindiOmer

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole