*المجلس التشريعي القادم خطوة للأمام أم قفزة في الظلام* *د. محمد احمد سالم* *المستشار القانوني الأسبق بالبرلمانات السودانية*

بسم الله الرحن الرحيم

*المجلس التشريعي القادم خطوة للأمام أم قفزة في الظلام*

*د. محمد احمد سالم*
*المستشار القانوني الأسبق بالبرلمانات السودانية*

في الأونة الاخيرة ضجت الاسافير وانشغلت مجالس المدينة بتسريبات وتكهنات بقرب تكوين المجلس التشريعي الانتقالي وان هناك مشاورات بشان الترشيحات والاسماء وكما هو معلوم فان الوثيقة الدستورية لعام 2019 قبل تعديلها قد نصت في الفصل السابع منها على تكوين مجلس تشريعي انتقالي يضطلع بمهام التشريع والرقابة المواد( ٢٤ الى ٢٨ ).
بموجب المواد المذكورة يتالف المجلس من عدد لا يتجاوز ال 300 عضوا تختار قوى إعلان الحرية و التغيير 67% منهم ,على ان يقوم المجلس خلال 90 يوما، والى ان يقوم المجلس يتولى مجلسا السيادة الانتقالي و مجلس الوزراء مهامه كسلطة تشريعية.
لم يقم المجلس في الاجل المضروب الى ان صدر تعديل ٢٠٢٥ للوثيقة والذي الغى الفصل السابع كله واستعاض عنه بمادتين اثنتين فقط هما المواد 24 و 25 مع اشارات متفرقة للمجلس هنا وهناك.

الماده 24 قضت بأن المجلس هو سلطة تشريعية مستقلة ويراعي في عضويتها التي لا تجاوز 300 عضوا تمثيل أطراف العملية السلمية والقوى الوطنية الأخرى, ومشاركة قطاع النساء وان تتخذ القرارات بالأغلبية البسيطة وان يمارس مجلسا السيادة والوزراء مهام المجلس الى حين تكوينه.
أما المادة 25 فقد عددت إختصاصات وسلطات المجلس، وتحديداً إصدار القوانين والتشريعات ومراقبة أداء مجلس الوزراء ومساءلته وسحب الثقه منه او أي من أعضائه ، وإجازة الموازنة العامة للدولة والمصادقة على الاتفاقيات الدولية ، وإعلان الحرب والطوارئ ، والتوصية بإعفاء رئيس مجلس الوزراء..
تعليقنا على هذا هذه النصوص وعلى التوجه الرسمي لإنشاء المجلس يتلخص في الموضوعات الفرعيه التالية و التي لا تشمل ماخذنا على الصياغة الفنية للنصوص وذلك خوف الاطالة.

: *أولا: من حيث المبدأ*
من حيث الفكرة فإن الشروع في تكوين جسم تشريعي ولو بالتعيين في هذا الظرف توجه حكيم وصائب وينسجم مع خطوات سابقة لصالح التحول الديمقراطي والمدني لمؤسسات الحكم ، كتعيين رئيس وزراء مدني ورئيس المحكمة الدستورية وإحياء دور مجلس القضاء العالي ،وعودة الحكومة الى العاصمة القومية، فضلا عن أنه ينهي الوضع المعيب بتركيز مقاليد الأمور في أيدي عدد محدود من الأفراد في مجلسي السيادة و الوزراء ،ينفردون دون مشاركة واسعة مقننة بإتخاذ القرارات المصيرية في شأن الحرب و السلام و مستقبل البلاد.
ولا شك أن قيام المجلس سوف يشكل قاعدة شعبية مساندة و يضفي على القرارات والسياسات شرعيةً وثقلا سياسياً ودستورياً أعظم .

*ثانيا: البنيه الهيكليه للمجلس* :
لا شك ان النص الحالي في شان عضوية ومكونات المجلس والخالي من عناصر الاقصاء والعزل لاي فئة يتميز بالمرونة و الواقعية ،إذ لا يجوز عزل اى مكون من مكونات الامة السودانية بشكل جماعي بسبب اختلاف الفكر او العقيدة أو اللون السياسي ، فهو بالإضافه لتناقضه مع وثيقة الحقوق بذات الدستور يستحيل إنفاذه عمليا .
بيد أنه يؤخذ على النص الحالي للمادة 24 إغفاله تحديد الجهة التي تشكل المجلس و ألية الترشيح.
ونرى أن يناط بمجلس السيادة ذلك ، شريطة التشاور مع سائر القوى السياسية والمدنية بالبلاد، و مراعاة التمثيل الشامل لكل مكونات المجتمع والمناطق الجغرافية والفئات العمرية ، وان يركز على الملاءمة بين التمثيل الفئوي والكفاءات المهنية لإثراء المجلس بكوادر متخصصة في كافة المجالات .

*ثالثا: العضوية*
نلاحظ أن النص لم يتضمن أي شروط للعضوية كالسن والميلاد والحد الأدنى من المؤهلات العلمية وحسن السير والسلوك وخلو الصحيفة الجنائية .
كذلك لم ينص على حالات فقدان العضوية كالاستقالة والوفاة وإسقاط العضوية … الخ . .
وأغفل النص كذلك ، إشتراط تاديه القسم الدستوري ،وصيغة القسم نفسه الذي درجت الدساتير السودانية على إيرادها .
فيما يتعلق بحجم العضوية فقد حدد النص السقف الاعلى وهو 300 عضوا ، لكنا نرى أن يكون العدد أقل من ذلك بكثير ، لأننا بصدد كيان شوري في ظرف إستثنائي وليس مؤسسة تشريعية منتخبة في إطار وضع عادي ومستقر، بحيث يشترط تمثيل متسع لكل دائرة جغرافية.
فا المطلوب الأن إذن تمثيل نوعي ورمزي ، وكلما قل العدد إنعكس ذلك إيجاباً على كفاءة المجلس ، لان ترهل العضوية تترتب عليه اضافة للتكلفة المالية الباهظة ،صعوبة في توفر النصاب القانوني ،وفي سرعة إتخاذ القرار علاوة على الاعتبارات الأمنية ودواعي السرية أحياناً .

*رابعا : المهام والسلطات:*
أغفل نص المادة ٢٥ اثنتين من الصلاحيات والمهام الجوهرية للمجلس التشريعي وهما إجازه المراسيم الدستورية،
وإقرار السياسات العامة للدولة والخطط الاستراتيجية .
هذا يعني إن أي تعديل للوثيقة أو مرسوم دستوري يجب ان يعرض على المجلس التشريعي لإقراره قبل نفاذه وهذا هو المتبع في كل الانظمة الدستورية في العالم ..
، كما يعني أيضا أن اي سياسات او خطط او برامج للدولة يجب ان تناقش في المجلس ، لاسيما في هذه الظروف الاستثنائية التي تواجه الدولة فيها، مواقف تقتضي إتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل البلاد وعلاقاتها الخارجية وقضايا الحرب والسلم.
.
*خامسا: قيادات المجلس ولجانه ومقره وأجله:*
من الأهمية بمكان أن نحسن إختيار قيادة المجلس المتمثلة في رئيسه ونائبه ورؤساء اللجان المتخصصة.
بالنسبة للرئيس أثبتت التجارب ان شخصية الرئيس وسعة أفقه ، وقدرته و خبرته تلعب دوراً مفصلياً في نجاح المؤسسة التشريعية ،وأنه كلما ثقل الوزن الدستوري او السياسي للرئيس ،كلما انعكس ذلك إيجاباً على أداء المجلس، ولوحظ انه حتى الانظمة العسكرية المتعاقبة في السودان، درجت في فتراتها الانتقالية ،على إختيار شخصية قيادية تملك حساً سياسيا وخلفية معرفية لرئاسه البرلمان .
اذ اختار نظام عبود اللواء عوض عبد الرحمن صغير للمجلس المركزي، ونظام مايو الرائد ابو القاسم هاشم لمجلس الشعب، والإنقاذ العقيد محمد الامين خليفه للمجلس الوطني، وثلاثتهم مشهود لهم بالكفاءة والقدرة. .
بالنسبه للجان فهي أداة المجلس الفنية لدراسة الموضوعات ،وتقديم تقارير بشأنها، وينبغي أن تكون للمجلس المرتقب لجان قليلة العدد، كما كان الحال في بدايات التجربة البرلمانية السودانية ، بحيث لا تزيد عن ست لجان، للتشريع ،والشؤون الاقتصادية، والخدمات، والأمن والدفاع، والشؤون الخارجية ،والحكم الاتحادي.
يتعين كذلك تحديد مقر المجلس وبداهة ان يكون بالعاصمة القومية مع جواز إنعقاده استثناءً في غيرها.
وكذلك النص على أجل المجلس، لأنه إنتقالي ، والمناسب هنا ان يكون عمر المجلس كغيره من مؤسسات الحكم الإنتقالية هو عمر الفترة الإنتقالية .

*سادساً :مكافات الاعضاء واستحقاقاتهم المالية:*
نسبه لظروف البلاد الاقتصادية الحرجة، نرى أن تكون عضوية المجلس طوعية، ودون تفرع كامل، وان تتكفل الدولة فقط بالمصروفات الضرورية لانتقال العضو الى مقر المجلس، وذلك كان الحال في برلمانات الحكم الوطني الاولى وحتى بداية العهد المايوي ، إذ كان الاعضاء يمارسون مهنهم المختلفة وظائفاً او أعمال حرة ،ولا تعتبر النيابة مهنة للتكسب و الربح ، او مهنة دائمة، و بذا نتجنب إرهاق الموازنة العامة بنفقات باهظة ، تشمل مرتبات و بدلات وغيرها للنواب، وقد يفتح هذا الباب لمطالبات لا تنقطع بتحسين الاجور وصرف التذاكر، وتوفير سيارات ، و ربما مساكن لنواب الاقاليم ،و بذا نكرر أسوأ ممارسات تطبيق النظام الإتحادي في فترة الانقاذ ، المتمثلة في خلق عطاله سياسية و ترهل مخيف والصرف على الألوف من اعضاء المجالس التشريعية و المحلية وحكومات الولايات .
و يجب أن نأخذ في الإعتبار ان جلسات المجلس الراتبة سوف تكون قليلة جلسة او جلستين في الشهر مثلا و لا تستقرق الجلسة أكثر من ساعات معدودة في اليوم .
إن عضوية المجلس يجب أن تكون بمثابة تكليف وطني وليس مدخلاً للتكسب والبطالة المقنعة.

*الاطار الدستوري والقانوني للمجلس:*
في الدساتير السابقة كانت النصوص المتعلقة بالسلطة التشريعية موزعة بين الدستور الذي يتضمن الاحكام الاساسية ، وقانون الانتخابات في شان عدد الاعضاء وأهليتهم وانتخابهم ثم لائحة تنظيم اعمال المجلس التي تعني بالتفاصيل الاجرائيه.
.
الان لا توجد احكام مفصله في الوثيقة الدستورية، فقط مادتان إثنتان اغفلتا الكثير من المسائل الجوهرية، ولا يوجد قانون انتخابات او لائحه لتنظيم اعمال المجلس سارية المفعول.
لسد هذه الثغرات وتاسيس اطار دستوري وقانوني سليم فهنالك خياران:

*الاول*: إجراء تعديل للوثيقة الدستورية يشتمل على النص على الاحكام الرئيسة المتعلقة بالمجلس وترك التفاصيل للائحة تنظيم أعمال المجلس .
*الثاني*:
سن قانون متكامل للمجلس التشريعي الانتقالي يحتوي كل الاحكام المطلوبة و بالتفصيل كما هو الحال في مصر وسوريا وبلدان اخرى .

*خاتمة* :
في ختام هذه المقالة نوجز القول في أن قيام المجلس التشريعي ضرورة ملحة لسد الفراغ الدستوري الحالي ، بيد أنه لابد من أن نحسن إختيار قيادته واعضائه، وقبل هذا وذاك ان تكون هناك ارادة سياسية قويه تجاه خلق جسم تشريعي ورقابي فاعل ومقتدر، وان لا يكون المجلس القادم مجرد ديكور شكلي للترضيات و المظاهر يكلف البلاد مالاً وجهداً و وقتاً من غير طائل .

*وبالله التوفيق*

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole