*د. عفراء فتح الرحمن تكتب عودة الرحلات أم عودة الحياة ؟ !*

قبل ثلاثة أعوام من الآن عندما أُحتل كل شيء في العاصمة (الإذاعة .. القصر .. المطار .. المنازل ) بحسابات العقل بدا استرداد كل ذلك عسيرا حتى على الجيش الأمريكي نفسه لأن الانفجار الداوي أتى من الداخل من قوات نظامية تشارك في حراسة المنشآت الحيوية أما بحسابات الله فلا يعجزه شيء!

إن مشاهد هبوط رحلة الناقل الوطني سودانير اليوم على مدرج مطار الخرطوم الدولي لم تكن مشاهد عادية إنما لوحة صرعت فيها إرادة الحياة إرادة الموت ألف مرة.
لوحة احتضن فيها المسافرون العابرون موظفي مطار الخرطوم الدولي .. واحتشد فيها المواطنون المترقبون لانتصار إرادة الدولة السودانية الحرة ..وزغردت فيها النسوة في مشهد قد يراه الغريب مخالف لاجراءات السلامة الجوية بينما نراه لصيق بإجراءات السلامة الوطنية! .

هذا المشهد مفاده إن من العسير أن تقهر إرادة شعب قرر أن يولد مرة أخرى من بين الركام كطائر الفينيق .

وقبيل أيام عاد التنفس مرة أخرى إلى رئة الإذاعة والتلفزيون فيما يشبه عودة الحياة إلى جسد شخصه الأطباء بالموت الإكلينيكي .

هي ليست مجرد أمكنه إنما تاريخ طويل من أجيال متعاقبة .. من محاولات مستمرة للتنوير وتوحيد الشعوب السودانية .. وبناء الدولة السودانية الناضجة، هنا مرت أسماء حفرت بعمق وهنا أفنينا أعمارنا جميعا كدرويش كمجذوب سماوي .
هي ليست مجرد عودة إنما انتصار ضخم للخير والقوى الناعمة والحياة السودانية الباذخة في تبسطها .

ولايزال في الطريق المزيد من السعي من أجل بناء الدولة السودانية الوطنية ، وتحصينها (بعقل مركزي جمعي ) يقيها المنزلقات ويساعدها على النهوض من شرنقة الممارسات
الدائرية ويقوي إرادتها الوطنية ويجعل كل مفاتيحها بيد إرادتها الوطنية الحرة ، فالعلاقات الخارجية رغم أهميتها إلا أن من يكتب كلمتها الأخيرة هو تماسك الجبهة الوطنية الداخلية لا العكس .

إن ما أنجز الآن يعد اختراقا مهما ولكن ينتظره عمل دؤوب على مستوى إعادة مؤسسات الدولة (بكامل صلاحياتها الفعلية ولياقتها المدنية ) وليس بشكل برتوكولي فقط ، مع إعلاء مبدأ المساءلة ومكافحة الفساد والابتعاد عن الاستجابة للابتزاز الوطني ،
وضرورة إعادة ماتبقى من أرض الوطن .

لاتوجد فرصة وطنية مواتية أكثر من هذه اللحظة التاريخية لتنضوي الجيوش المتعددة ب(كوفيتها وكدمولها) وتدمج طواعية تحت راية القوات المسلحة السودانية بعقيدة قتالية واحدة وتحت إمرة قائد واحد .
فما دام المقصد متفق عليه فلابد من وحدة المسير وإن طال الأمد .
كما أن تفعيل مبدأ الشفافية بين القيادة والشعب ضروري وهام في الحفاظ على الحاضنة الشعبية واحترامها في آن .
فإن الصورة التقليدية لنموذج القائد الشعبوي لم تعد ملائمة لعصرنة الراهن ، فلا حكومة قوية بلا تفكير جمعي ومؤسسات حية وفاعلة ومساءلة قانونية ومكاشفة تامة وتوضيح جريء لخارطة طريق إلى أين تتجه الرحلة الوطنية ؟

كل ذلك ليس مجرد مطالبات معزولة إنما لحظة عمل جمعي لكل السودانيين من أجل البناء القاعدي وصولا إلى الصورة المثلى لقمة هرم الدولة السودانية المبتغاة ، فشتان ما بين اليد الممدوة للبناء وبين اليد التي تطلق المسيرات للهدم !.

إن عودة الحياة إلى رئة الوطن مهرت بأرواح في مقتبل العمر وببكاء اليتامى ونوح الأرامل هنا بذلت تضحيات وطنية موجعة يجب أن تذكر وتشكر .

اللهم تقبل الشهداء وأشفي الجرحى وفكّ الأسرى وأربط على قلوب المكلومين ..
اللهم أنت السلام وماض فينا اسمك.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole