هذه ليست لحظة انتصار كما يتوهم البعض وليست لحظة بيانات رسمية تتحدث عن استعادة السيطرة وليست لحظة صور تُلتقط أمام دبابات صامتة هذه لحظة محاسبة قاسية مع النفس لأن سقوط المليشيا إن حدث عسكرياً لا يعني أن الفكرة التي صنعتها قد سقطت أخطر ما في المليشيا لم يكن سلاحها بل الشرعية الرمادية التي مُنحت لها حيناً والصمت الذي حماها حيناً آخر والتواطؤ الذي غذّاها بالمال والمصالح
المليشيا لم تكن شذوذاً في جسد الدولة بل كانت أحد أعراض مرضها المزمن كانت ابنة منطق قديم يقوم على موازنة القوة بالقوة وتسليح الهامش لإدارة الصراعات ثم الادعاء بأن السيطرة ممكنة حين تكبر الأداة وتتحول إلى مركز قوة مستقل كانت ثمرة عقل سياسي لم يؤمن بالمؤسسة بل بالمناورة ولم يؤمن بالقانون بل بالصفقة ولم يؤمن بالمواطنة بل بالتوازنات الهشة لذلك لم يكن تمددها مفاجئاً بل كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من الأخطاء المتراكمة
إذا أردنا أن نكون صادقين فعلينا أن نعترف بأن المليشيا كبرت لأن الدولة احتاجتها في لحظة ضعف ثم عجزت عن تفكيكها في لحظة قوة وأنها تمددت لأن المال كان يتدفق عليها من اقتصاد ظل لا يعرف الرقابة ولا الشفافية ذهب يُستخرج في أطراف البلاد ليُحوّل إلى رصاص وحدود مفتوحة تعبر منها الأسلحة والمرتزقة وشبكات مصالح داخلية وخارجية ترى في السودان سوقاً للفوضى لا وطناً يستحق الاستقرار هذه الشبكات لم تكن تعمل في الظلام وحده بل كانت تجد في الفوضى الرسمية غطاءً وفي الانقسام السياسي فرصة
ما بعد المليشيا ليس مجرد إعادة انتشار عسكري بل إعادة تعريف كامل لفكرة الدولة هل نريد دولة تحتكر السلاح بوضوح أم دولة توزع
البنادق هل نريد جيشاً بعقيدة وطنية صلبة لا تتغير بتغير الحكام أم مؤسسة تتداخل أدوارها بين حماية الحدود وإدارة السياسة لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينجح إذا بقيت العلاقة بين السلاح والسلطة ملتبسة لأن الالتباس هو المساحة التي تولد فيها المليشيات
والسؤال لا يتوقف عند المؤسسة العسكرية بل يمتد إلى النخب المدنية التي عاشت طويلاً في منطقة رمادية بعضهم اعتقد أن الاستقواء بالسلاح تكتيك مرحلي وبعضهم ظن أن الصمت عن الانتهاكات يمكن أن يُبرر بحسابات سياسية ضيقة وبعضهم انشغل بصراعات المقاعد بينما كانت البلاد تنزلق نحو الهاوية إذا لم تتعلم النخب أن الدولة لا تُبنى بالمناورات بل بالمؤسسات فإننا سنظل ندور في الدائرة نفسها
العدالة هنا ليست شعاراً ثورياً يُرفع في الميادين بل شرطاً وجودياً لبقاء الدولة من دون عدالة حقيقية وشفافة تُحاسب كل من تورط في الانتهاكات بلا استثناء ولا انتقائية فإن السلام سيكون هشاً ومؤقتاً الإفلات من العقاب هو التربة التي تنبت فيها المليشيات لأن من يشعر أن السلاح يمنحه حصانة سيستخدمه مرة أخرى ومن يرى أن الدم يُساوَم عليه سيعيد التجربة بثقة أكبر
هناك من سيقول إن الوقت الآن ليس وقت محاسبة بل وقت استقرار لكن أي استقرار يمكن أن يقوم على أرضية غير عادلة أي استقرار يمكن أن يُبنى فوق ذاكرة مثقلة بالدم من دون اعتراف وجبر ضرر ومساءلة واضحة إن تأجيل العدالة لا يعني إلغاءها بل يعني ترحيل الانفجار إلى المستقبل
ما بعد المليشيا يجب أن يكون هناك مشروعاً وطنياً متكاملاً يبدأ بأحتكار الدولة الكامل للسلاح يبدأ بإصلاح المؤسسة العسكرية لتكون مهنية خالصة وينتقل إلى تفكيك اقتصاد الحرب وتجفيف منابعه ويصل إلى إعادة بناء الثقة بين المركز والهامش عبر سياسات تنمية حقيقية لا عبر شعارات موسمية يشمل إصلاح القضاء وضمان استقلاله حتى لا يبقى القانون أداة بيد الأقوى
كما يجب أن يكون لحظة مواجهة مع خطاب الكراهية الذي غذّى الحرب سنوات طويلة لأن العنصرية ليست مجرد كلمات بل وقود جاهز للاشتعال كلما احتدمت السياسة إذا لم نكسر هذا الخطاب بوضوح عبر التعليم والإعلام والتشريعات فإننا نترك قنبلة موقوتة في قلب المجتمع
التاريخ السوداني مليء بالدروس القاسية انقلابات تتبعها انتفاضات وانتفاضات تتبعها تسويات هشة وتسويات تلد أزمات جديدة وكأننا أمة تعيد كتابة الفصل ذاته بصياغات مختلفة ما بعد المليشيا قد يكون الفرصة الأخيرة لكسر هذا النمط لأن كلفة الفشل هذه المرة كانت باهظة إلى حد لا يُحتمل
لقد رأينا كيف يمكن لسلاح منفلت أن يتحول إلى دولة داخل الدولة وكيف يمكن لتحالفات اللحظة أن تفتح أبواب الجحيم وكيف يمكن للمال غير المنضبط أن يشتري الولاءات ويطيل عمر الفوضى هذه ليست معلومات نظرية بل تجربة دموية عشناها بكل تفاصيلها لذلك لا عذر لنا إن كررنا الخطأ
السؤال الذي يجب أن يبقى معلقاً فوق رؤوسنا ليس هل انتهت المليشيا بل هل انتهى المنطق الذي سمح لها أن تولد هل انتهت ثقافة استخدام القوة كوسيلة تفاوض هل انتهى زمن الصفقات التي تُعقد على حساب الضحايا هل انتهى وهم أن الاستقرار يمكن أن يُشترى بتنازلات مؤقتة
إما أن نختار بوضوح طريق الدولة الحديثة القائمة على القانون والمؤسسة والمواطنة المتساوية وإما أن نستمر في تدوير الأزمات حتى ينهكنا التاريخ بالكامل ما بعد المليشيا ليس عنواناً لمرحلة سياسية بل اختباراً أخلاقياً عميقاً إما أن نتعلم من الدم الذي سُفك فنحمي الأجيال القادمة من تكراره وإما أن نُصر على إعادة إنتاج الجحيم بأيدينا ثم نتظاهر بالدهشة عندما يشتعل من جديد




