يأتي رمضان هذا العام على وجوهٍ أكلها الغبار وعلى بطونٍ يابسة كأرضٍ لم تعرف المطر منذ سنين يأتي لا إلى بيوتٍ دافئة تتلألأ فيها الفوانيس بل إلى خيامٍ مهترئة ترتجف مع أول هبة ريح خيامٍ صارت عنوانًا لمأساة النازحين الذين لفظتهم الحرب من مدنهم وقراهم وألقت بهم في العراء
في أطراف الفاشر في معسكرات دارفور في تخوم كردفان وفي كل رقعةٍ تحوّلت إلى ملجأ مؤقت يجلس الآلاف ينتظرون أذان المغرب لا على موائد عامرة بل على سؤالٍ واحد ماذا سنفطر؟
أيُّ رمضانٍ هذا الذي يُستقبل على وقع أخبار القصف وعلى صدى الرصاص وعلى أنين الأمهات اللواتي يبحثن عن حفنة دقيق أو جرعة ماء نظيف؟
الحرب قد تخفت في مكان وقد تتبدّل خرائط السيطرة في مكانٍ آخر لكن نارها ما زالت تأكل أطراف الوطن في كردفان ودارفور لا يزال الخوف سيّد المشهد ولا يزال النزوح مستمرًا ولا تزال المخيمات تتمدّد كجراحٍ مفتوحة في جسد السودان رمضان هنا ليس شهر زينةٍ وموائد بل شهر صبرٍ ثقيل وصمتٍ موجع وانتظارٍ لا ينتهي
أيُّ عبادةٍ أعظم من أمٍّ تقسم كسرة خبزٍ بين خمسة أطفال؟
أيُّ صلاةٍ أطهر من أبٍ يقف في صفّ الإغاثة منذ الفجر لعلّه يعود بكيس عدس؟
أيُّ دعاءٍ أصدق من شيخٍ فقد داره وأرضه وذكرياته ولم يبقَ له سوى سجادةٍ صغيرة يفرشها على تراب المخيم؟
رمضان في المخيمات امتحانٌ للإنسانية قبل أن يكون امتحانًا للجوع امتحانٌ لمن يملكون القرار والسلطة والمال هل يدركون أن الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فحسب بل امتناعًا عن الظلم؟ هل يفهمون أن الجوع المفروض على الناس بالقهر والحرب ليس قدرًا إلهيًا بل جريمة بشرية؟
النازحون لا يريدون صدقاتٍ موسمية تُلتقط معها الصور لا يريدون سلالًا غذائية تُرمى كما تُرمى الفتات يريدون حقهم في الحياة الكريمة في الأمان في العودة إلى بيوتهم دون خوف من رصاصةٍ طائشة أو مليشيا منفلتة يريدون أن يكون رمضانهم القادم في بيوتهم لا تحت قماشٍ لا يصدّ حرًّا ولا بردًا
في هذا الشهر الذي تتضاعف فيه الدعوات لعلّ أعظم دعاءٍ ينبغي أن يعلو هو دعاء العدالة أن يتوقف هذا النزيف أن يعود الوطن لأهله أن لا يصبح النزوح قدرًا أبديًا لأطفالٍ لم يعرفوا من السودان إلا المخيمات
رمضان ليس شهر استعراض التدين بل شهر استعادة الضمير والضمير إن لم يتحرك أمام دمعة نازح فمتى يتحرك؟
ليكن هذا الشهر لحظة مواجهة مع أنفسنا
هل سنكتفي بالتأثر العابر أم سنحوّل الألم إلى موقف؟
هل سنجعل من موائدنا جسرًا يصل إلى خيمةٍ بعيدة؟
هل سنكتب ونصرخ ونطالب ونحاسب حتى لا يأتي رمضان القادم والنازحون في المكان ذاته؟
رمضان يمرّ… لكن ذاكرة الجوع لا تمر
والأوطان التي تصوم عن العدالة تفطر على الخراب
رمضان كريم




