*د التوم حاج الصافي يكتب البيان لا يمحو الحقيقة*

حين تصدر المؤسسة العسكرية بيانًا لتقول إن ما قيل في ذلك التجمع المؤدلج لا يمثلها، فهي لا تطفئ الحريق بل تحاول إخفاء دخانه. المشكلة لم تكن يومًا في عبارة قيلت أو شخص تكلم، بل في المناخ الذي سمح لتلك العبارة أن تُقال بثقة، وفي المساحة التي جعلت الزي العسكري مظلةً لخطابٍ أيديولوجي لا علاقة له بعقيدة الجيوش الوطنية. من يظن أن إصدار بيان نفي يكفي لإغلاق الملف، إما أنه يستخف بوعي الناس أو يستخف بحجم الخلل داخل المؤسسة نفسها.
التحالف بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية المؤدلجة ليس تهمة عابرة تُرمى في الهواء، بل واقع تشكل عبر سنوات من التقاطع السياسي والمصلحي. الوقائع على الأرض، طبيعة الاصطفافات، شكل الخطاب العام، كلها رسمت صورة واضحة: هناك اختلاط خطير بين العسكري والسياسي، بين الوطني والحزبي، بين حماية الحدود وحماية مشروع فكري بعينه. هذا الاختلاط هو أصل الأزمة، وهو ما يجعل أي حادثة من هذا النوع انعكاسًا طبيعيًا لبنية مأزومة، لا شذوذًا عابرًا يمكن عزله والتبرؤ منه.
الأخطر أن المسألة لا تقف عند التصريحات العلنية. هناك شبكات غير مرئية، أفراد لا يظهرون في الواجهة لكنهم يتحركون بدافع أيديولوجي صلب، يرون في صراعات الإقليم ساحة لتحقيق تصوراتهم العقائدية، لا مصلحة الدولة. هذه القناعات لا تختفي بالاعتقال، ولا تُمحى بإسكات الأصوات. يمكن كبحها مؤقتًا، نعم، لكن طالما بقيت مراكز الثقل الفكرية داخل المؤسسة أو حولها، فإن الفكرة ستجد طريقها للعودة. من يتعامل مع الأمر كأنه “تجاوز فردي” يتجاهل أن الفكر حين يتجذر في مؤسسة، يصبح جزءًا من آلياتها غير المعلنة.
نحن أمام لحظة صراع وجودي لتلك التيارات، وهذا ما يفسر محاولات التهدئة والإنكار وإعادة التموضع. التنظيمات العقائدية حين تضيق بها الدائرة لا تتخلى عن أفكارها، بل تمارس أقصى درجات البراغماتية المؤقتة، تخفض الصوت، تغير اللغة، تنتظر الفرصة. الاعتقاد بأن القبض على بعض الأفراد أو إصدار بيان حازم يعني أن الخطر انتهى هو قراءة سطحية لواقع شديد التعقيد. كل من تابع المشهد رأى وسمع، ويعرف أن ما حدث ليس خطأ لسان، بل مؤشر على خلل أعمق.
المسؤولية هنا ليست أخلاقية فقط بل تاريخية. أي قيادة عسكرية تراهن على إدارة الأزمة بالتبرؤ الإعلامي دون مراجعة جذرية للبنية الفكرية داخلها، فإنها تؤجل الانفجار ولا تمنعه. الطموح للحكم أو لعب دور سياسي مستقبلي لا يمكن أن يستند إلى مؤسسة مشتبكة أيديولوجيًا. الدولة لا تُدار بعقيدة حزبية مموهة بزي عسكري، ولا تُحمى ببيانات إنكار.
الحل ليس في امتصاص الغضب، ولا في تبريد اللحظة، بل في إعادة تأسيس شاملة: عقيدة عسكرية وطنية صافية لا تقبل التأويل، فصل صارم بين الجيش وأي مشروع فكري أو حزبي، تفكيك مراكز النفوذ الأيديولوجي داخل المؤسسة، وإعادة تعريف الولاء ليكون للدولة وحدها لا لفكرة عابرة للحدود. دون ذلك، سيبقى الخطر قائمًا، وسيبقى كل بيان مجرد محاولة لذر الرماد في العيون.
من يظن أن المشهد انتهى واهم. الأفكار لا تموت بالصمت، بل تعود عندما تتاح لها المساحة. وإذا لم تُحسم المعركة داخل البنية نفسها، فإنها ستتجدد بأسماء جديدة ووجوه مختلفة. هذه ليست نبوءة تشاؤمية، بل قراءة مباشرة لقانون السياسة حين تختلط بالعسكر: إما جيش وطني خالص فوق الأيديولوجيا، أو مؤسسة تتحول تدريجيًا إلى طرف في صراع عقائدي سيدفع الجميع ثمنه.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole