ثمة موضوعات تستدعي الكلام المباشر والنفَس العميق والنبرة التي تعكس ثقل ما تحمل. وموضوع الحركة الإسلامية السودانية اليوم، بعد كل ما جرى وما يجري، هو من هذه الموضوعات بلا جدال. ليس لأنه موضوع عاطفي وحسب، بل لأن ما يُبنى على الخطأ في تشخيصه سيُضاف إلى ركام الأخطاء التي أوصلتنا إلى هذا المأزق المرير.
هذه ليست مرافعة للدفاع عن تيار أو الهجوم عليه، بل هي محاولة صادقة لاستيعاب ما جرى، وفهم ما نحن فيه، وإضاءة شيء مما ينبغي أن يكون. يكتبها من عاش التجربة من الداخل، وحمل سلاحها في جبهاتها، وآمن بشعاراتها إيمان الشباب الذي لا يساوم، ثم وجد نفسه يراجع كل ذلك خطوة خطوة عبر سنوات من القراءة والتأمل والمرارة.
أولاً: ما الإسلام السياسي أصلاً؟
لا بد من الوقوف عند التعريف قبل الحكم، إذ كثيراً ما يشتبك النقاش بسبب اختلاط المفاهيم. الإسلام السياسي، بمعناه الدقيق المحدد، هو ذلك التيار الفكري والتنظيمي الذي آثر التعامل مع الدولة الحديثة بوصفها أداة للتغيير، لا بديلاً عنها ولا عدواً لها. وهذا ما يميزه جوهرياً عن تيارات أخرى رفضت نموذج الدولة الحديثة من أصله، أو قنعت بالإصلاح الاجتماعي المحدود بعيداً عن السلطة، أو ذهبت تبحث في التاريخ عن نموذج تستعيده.
وقد حدد الإمام الصادق المهدي هذه المعادلة بعبارة بليغة حين تحدث عن ثنائية الأصل والعصر: كيف يمكن للدين أن يخاطب مستجدات الحياة الحديثة دون أن يذوب فيها أو يتنكر لها؟ وكان الرهان الكبير للإسلام السياسي أنه يستطيع الإجابة عن هذا السؤال بالفعل لا بالكلام، عبر ثلاث مهام متلازمة: استيعاب الدولة الحديثة وآليات اشتغالها، واستيعاب التراث الإسلامي بحثاً عن هداية لوقائع اليوم، ثم المزاوجة بينهما بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر.
وقد أسمى المفكر الكندي وائل حلاق هذه المهمة الثلاثية بـ«المهمة المستحيلة» في كتابه الشهير «الدولة المستحيلة»، وكان في حكمه هذا أكثر دقةً مما أراد أن يكون منتقداً. فعظمة الرهان لم تعنِ إمكانية إنجازه، وطموح المشروع لم يكن دليلاً على قدرته على التحقق.
ثانياً: الحركة الإسلامية السودانية — النشأة والوعد الكبير
بدأت الحركة الإسلامية السودانية تيارَ ضغط محدود الأفق في ستينيات القرن الماضي، همّها الأول المطالبة بدستور إسلامي لم يكن في حقيقته سوى نص يُشير إلى مرجعية الإسلام في الديباجة، مع الحفاظ على العقوبات التقليدية وصون الطابع الاجتماعي الموروث في مواجهة رياح التحديث الأوروبي. لم تكن شاملة ولم تكن تفكر في الشمول.
ثم جاء الدكتور حسن الترابي بطموح مختلف. كان رجلاً من أذكى ما أنتجه الفكر السوداني في القرن العشرين، واجتهد في توجيه الجماعة نحو تجديد فقهي حقيقي، يحرر الفكر السياسي الإسلامي من قيود التراث الجامد ويفتحه على استحقاقات العصر. وفي نهاية الثمانينيات تشكّل حزب الجبهة الإسلامية القومية، الذي كان في تفصيل برنامجه أكثر حداثةً وانفتاحاً مما توحي به أدبياته الداخلية، إذ ضم في أجهزته القيادية غير المسلمين، وقدّم أطروحات خاصة بالتعدد السوداني ديناً وعرقاً وثقافةً.
وكانت هناك مفارقة عميقة لم ينتبه إليها أحد يومها: الحزب في خطابه العلني كان يمارس سياسة وطنية حديثة، بينما كانت أدبياته التنظيمية الداخلية تتحدث عن شمول الإسلام لكل أوجه الحياة وإقامة مجتمع جديد على أنقاض ما سبقه. وعندما استولى هذا التنظيم على السلطة عام ١٩٨٩، اصطدمت المفارقة بواقع السلطة الذي لا يتحمل الغموض، فانكشف أن لا تفصيل حقيقياً لما يُسمى الدولة الإسلامية خارج استحضار التراث الفقهي القديم وتطبيقه انتقائياً وفق ما تقتضيه البراغماتية السياسية.
وهنا تكمن جريمة انفصام الشخصية الكبرى: فالشمول الذي كان مبدأً أخوانياً ورثته الحركة كان يعني في نظرية حركة الإخوان المسلمين المصرية إقامة مجتمع إسلامي شامل على أنقاض جاهلية القرن العشرين. لكن حزب الجبهة الإسلامية القومية كان في الوقت ذاته يمارس سياسة وطنية براغماتية تتعامل مع السودان بكل تنوعه. ولم يُنبّه أحد إلى هذا التناقض حتى أعلن عن نفسه بقوة بعد الانقلاب، حين اصطدم حلم الدولة الإسلامية الشاملة بواقع بلد لا يقبل الاختزال.
ثالثاً: الانقلاب على الثورة — كيف تبتلع الدولة من أنشأها
راج في أوائل التسعينيات كتيب للمفكر الفلسطيني منير شفيق بعنوان «الدولة تبتلع الثورة»، يرصد فيه كيف ابتلعت الدولة الحديثة كل الثورات التي قامت ضدها يساراً ويميناً، وأعادت إدماج الثوار الأخيار جنوداً في آلة القمع المصممة أصلاً لقمع الشعوب. وقد ظن بعض أهل الإسلام السياسي أنهم استثناء، حتى أشار المفكر المحبوب عبد السلام في كتابه «دائرة الضوء وخيوط الظلام» إلى كيف ظنوا أن عسكرهم تكفل لهم براءةٌ تقيهم تكرار قصة الانقلاب على الثورة، وهي قصة لم يسلم منها أي تنظيم عقائدي في العالم العربي والإسلامي وأفريقيا.
والحقيقة التي يُفصح عنها التاريخ بلا رحمة أن الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب عسكري لا يُفضي إلى إقامة دولة إسلامية، بل يُفضي إلى إسلمة الاستبداد. والفارق بين الأمرين جوهري: الأول تحول في طبيعة السلطة وغايتها، والثاني استخدام للغة الدين لإضفاء الشرعية على سلطة لم تتغير في جوهرها. وقد أثبتت ثلاثون سنة من حكم الإنقاذ أنها كانت في جوهرها سلطة استبداد وفساد لا تختلف في آلياتها عن سابقاتها، غير أن ثوبها كان إسلامياً بدلاً من يساري أو قومي.
الطريق الخاطئ لا يوصلك إلى الوجهة المعلنة مهما صدقت النوايا وعظمت التضحيات.
ومن أبلغ الشواهد على ذلك أن الرئيس البشير نفسه أسّس قوات الدعم السريع من مليشيات قبلية في دارفور، ثم رفعها عام ٢٠١٣ إلى قوات رسمية، واستخدمها أداةً أمنية سياسية لإخماد الاحتجاجات، حتى إذا انقلب السحر على الساحر كانت تلك القوات الوقود الرئيسي لحرب تحرق الأخضر واليابس في السودان منذ أبريل ٢٠٢٣. وهذا بالضبط ما حذّر منه كتيب شفيق: المليشيا التي تصنعها لحماية سلطتك تنقلب عليك في النهاية.
ومن العبر الجديرة بالتأمل في هذا السياق أن القيادي السوداني في المؤتمر الشعبي إبراهيم السنوسي حين نُسبت إليه مقولة «خلوا بالكم من الإسلام» بعد اعتقاله إثر انقلاب ١٩٨٩، لم يكن يعني الحفاظ على المساجد والشعائر الدينية، بل كان يعني الحفاظ على منظومة سياسية وأمنية واقتصادية لها نصيب في السلطة. وهذا وحده يكشف أن الإسلام في خطاب هذا التيار كان في أحيان كثيرة رمزاً لمصالح وهوية تنظيمية، أكثر منه التزاماً بمضمون الرسالة.
رابعاً: انقسام ١٩٩٩ — الفرصة الضائعة
في الرابع من رمضان عام ١٩٩٩، انشقّت الحركة على نفسها في مشهد درامي أعلن فيه الترابي انقلابه على مسيرتها. وقد كان الانقسام في ظاهره صراعَ شخصيات وتنافساً على السلطة، لكنه كان في جوهره شيئاً أعمق: كشفاً عن التناقض البنيوي المدفون منذ البداية بين منطق السلطة ومنطق الفكرة.
وقد انحاز كثير من الشباب يومها إلى المؤتمر الشعبي بقيادة الترابي، لأنهم رأوا فيه صوت الفكرة في مواجهة فساد السلطة وتسلطها. ومنهم من كتب هذه السطور. لكن ما تكشّف لاحقاً، وخاصةً بعد قراءة كتاب الترابي «الحكم والسياسة» ومطالعة تصريحاته في برنامج «شاهد على العصر»، هو أن الأمر كان يستدعي ما هو أبعد من مراجعة التطبيق. كان يستدعي مراجعة الفكرة ذاتها في أصولها.
فالمؤتمر الشعبي في برنامجه لم يُجب إجابةً حقيقيةً عن السؤال الجوهري: كيف يمكن بناء سياسة إسلامية حديثة تقوم على التعاقد الحر وسيادة القانون ومشاركة الجميع بصرف النظر عن دياناتهم وأعراقهم؟ وظل أكثر قادته مترددين بين رغبة في المراجعة وخشية من هدم ما بنوه بأيديهم.
أصعب أنواع المراجعة تلك التي تكلّف صاحبها هدمَ صرح شيّده بعمره وبنى عليه مجده.
ولذلك فإن من بقوا من هؤلاء الشباب في صف المؤتمر الشعبي دون أن يواصلوا المراجعة إلى أصولها — كالناجي عبدالله الحاج وأمثاله اليوم — وجدوا أنفسهم في لحظة الحرب يعودون إلى ذات الشعارات، لا لأنهم لم يروا ما رأيناه، بل لأن التوقف في منتصف طريق المراجعة أخطر من عدم السير فيه أصلاً: يظل صاحبه في منطقة رمادية تجعله قابلاً للاستقطاب في كل لحظة أزمة.
خامساً: بعد ديسمبر ٢٠١٨ — إسلام بلا إسلام
لم تكن ثورة ديسمبر ثورةً ضد الإسلاميين بوصفهم إسلاميين، بل كانت ثورةً ضد الفساد والاستبداد الذي كان الإسلاميون جنوده وأدواته. وهذا تمييز جوهري يُغفله كثيرون ممن يقرؤون الأحداث قراءة أيديولوجية مسطّحة.
والمأساة الحقيقية كانت في الخطأ المضاعف: ذهب بعض من صعدوا إلى كراسي السلطة بعد التغيير إلى حملة إزالة تمكين استهدفت الأشخاص دون الأفكار، والنوافل دون الفرائض. وأُهدر عامان في ملاحقة صغار الموظفين وهوامش الاستثمارات، بينما ترك العسكر يتمددون في كل ملفات البلاد دون رقابة ولا محاسبة. وغاب مجلس التشريع، وغاب مجلس القضاء المستقل، وغابت النقابات الحرة. فكانت النتيجة المحتومة أن الإسلاميين وجدوا أنفسهم في مقعد المعارضة مجاناً دون أن يبذلوا جهداً يُذكر لاستحقاقه، بينما اكتسب العسكر شرعية الحكم المطلق واستخدموا الإسلاميين كرتَ ضغط في مواجهة المكون المدني، حتى استخدموا العصا فعلاً في أكتوبر ٢٠٢١.
وإذ غاب الإسلاميون كلياً عن المشهد السياسي الفاعل بعد أبريل ٢٠١٩، عادوا من الباب الأضيق في مواكب الكرامة ثم في حرب ما سُمّيت حرب الكرامة، حاملين ذات الشعارات التي أثبت الواقع إفلاسها، دون أن يُقدّموا جديداً في الفكر أو البرنامج أو الخطاب.
وهنا يكمن مربط الفرس: ما يُسمى اليوم إسلاماً سياسياً في السودان لا يرقى إلى مستوى هذا الاسم بأيٍّ من معانيه. فهو ليس حركةً فكرية تبذل جهداً في فهم الدين وفهم العصر والتوفيق بينهما. وليس حركةً سياسية تملك برنامجاً ورؤيةً وأدواتٍ للتغيير السلمي. وليس مشروعاً سودانياً يستوعب التنوع الهائل في هذه البلاد ويعالج جذور أزماتها.
ما هو في حقيقته ضجيج جماعات مصلحة تتوسل اسم الإسلام للوصول إلى السلطة، مثل قميص عثمان المضرّج بالدماء يُطلب به الدنيا وليس الآخرة. وفي السودان اليوم وصوليون لا أصوليون، ومنافقون لا مؤمنون، ومليشيات لا دعاة دولة.
سادساً: الفلول والإسلاميون — تمييز لا غنى عنه
لا بد هنا من تمييز دقيق يكاد يضيع في غبار المعارك السياسية والإعلامية. فالفلول هم فلول نظام الإنقاذ الذي أسقطته ثورة ديسمبر، وهم بالتعريف أصحاب المصلحة المباشرة في استعادة السلطة لأنهم بنوا ثرواتهم ونفوذهم على أسسها. أما الإسلاميون السودانيون فهم طيف أوسع بكثير وأكثر تنوعاً، منهم من راجع ومنهم من لا يزال يراجع ومنهم من انسحب من الفضاء العام بصمت.
غير أن ضغط الأزمة بعد أكتوبر ٢٠٢١ أسهم في تذويب كثير من الفوارق وإعادة اللحمة قسراً بين من كانوا على طرائق شتى، إذ وجد كثير من الإسلاميين الذين سبق لهم الانتقاد والمراجعة أنفسهم مدفوعين إلى صف واحد مع الفلول بفعل الضغط المتراكم من الخصوم السياسيين وضغط اللحظة العاطفية في الحرب.
دمج الفلول في الإسلاميين جميعاً مثله مثل دمج الدعم السريع في الجيش السوداني: لا يستند إلى هدى ولا إلى منطق، بل هو استخدام انتهازي لعصا الاتهام في معارك السلطة. وهو خطأ يضر من يرتكبه قبل أن يضر من يتهمه، لأنه يُعيق الفهم الحقيقي للواقع ويُعطّل أي مسار للحل.
سابعاً: الجيش السوداني — حليف لا منقذ
لا يمكن الحديث عن الأزمة السودانية بأمانة دون الوقوف عند حقيقة مؤلمة يتجنبها كثيرون في خضم الحرب: الجيش السوداني ليس مشروعاً للدولة العادلة، بل هو أحد مصادر الأزمة الرئيسية.
فهو من حكم السودان عقوداً وأفقره، وهو من صنع مليشيا الدعم السريع بيده واستخدمها أداةً ضد مطالب التحول المدني والديمقراطية، وهو من وقف في وجه ثورة ديسمبر وعطّل وعودها، وهو من أخلف كل تعهداته المتكررة بالانتقال المدني منذ أبريل ٢٠١٩ حتى أكتوبر ٢٠٢١. المقارنة بين سلوك الجيش وسلوك الدعم السريع في الحرب لا تمنح الأول براءةً تاريخية يستحقها، وإن كانت تضعه في موضع أهون الشرين في لحظة الاضطرار.
أن تختار أهون الشرين في لحظة اضطرار — هذا مفهوم ومقبول. لكن أن تحوّل هذا الاختيار الاضطراري إلى مشروعية سياسية كاملة ومشروع وطني ودينياً واجباً — هذا هو الخطأ الذي نكرره منذ عقود، وهو بالضبط ما أوصلنا إلى حيث نحن.
ثامناً: السودان بين ثلاثة أوهام
وهم التقسيم: راج خطاب يدعو إلى فصل إقليم دارفور، ومن المفارقات المؤلمة أن بعض من يتبنونه ينتسبون إلى تيار كان سلفه يردد «يا أخي في الهند أو في المغرب». فصل دارفور يعني افتتاح سلسلة لن تقف: النيل الأزرق، جبال النوبة، الشرق. ولن ترحل هذه الأقاليم إلى القمر بعد الفصل، تماماً كما أن جنوب السودان لم يرحل إلى زحل. الحل ليس تقسيم الناس بل تقسيم الثروة والسلطة بعدل، وكما قال المثل بحكمة عفوية: «وكأنك يا أبو زيد ما غزيت».
وهم انتصار السلاح: الحرب في السودان ليست حرب تحرير من احتلال أجنبي، بل هي نزاع مسلح حول السلطة والثروة بين مكوّنين كلاهما نتاج الدولة السودانية ذاتها. والانتصار العسكري من طرف واحد لن يُسوّي المعادلة السياسية، بل سيُرجئ الأزمة إلى جولة قادمة أشد ضراوة.
وهم العودة إلى ما قبل أبريل ٢٠٢٣: السودان الذي كان قبل الحرب لم يكن يستحق الحنين إليه. كان بنيةً سياسيةً هشةً مختلة تُعطّل أي تغيير حقيقي. ما يُبنى بعد الحرب — إن بُني على الحقائق لا على الأوهام — يمكن أن يكون أفضل مما سبقه. لكن ذلك يستلزم جرأة حقيقية على مواجهة جذور الأزمة لا إعادة إنتاجها.
تاسعاً: الجيل الذي علق في منتصف الطريق
من سوء حظ كثير من أبناء جيل يبلغون اليوم ما بين الأربعين والخامسة والخمسين أنهم تشكّلوا إما بحب ثقافة الإنقاذ وشعاراتها أو بكراهيتها ومعاداتها. والمشكلة الجوهرية أن كلا الموقفين كان ردَّ فعل لا فعلاً مستقلاً، ولذا يحمل كلاهما بذرة عجزه في داخله.
فمن آمن يومها بالإسلام السياسي يجد نفسه اليوم أمام مرآة مكسورة: الشعارات التي آمن بها ثبت زيفها في الممارسة، والتنظيم الذي انتمى إليه فشل في تحقيق ما وعد به، والرفاق الذين شاركهم الطريق انقسموا وتناحروا. أما من تمرّد على الإسلام السياسي فقد وجد أن تمرده أنتج فراغاً ملأه خصومه قبل أن يملأه هو.
والعلة المشتركة بين الموقفين أنهما يجعلان من الحاضر سجيناً للماضي. وما يُحتاج إليه ليس حنيناً ولا ثأراً، بل قراءة باردة للواقع تبدأ من الاعتراف بالأخطاء وتنتهي ببناء رؤية جديدة لا تستعير من الأمس ما لا يصلح لليوم.
وهذه المهمة شاقة بالفعل، لأن العقل الذي ورثناه عن شبابنا الباكر يتغير ببطء شديد وتحت ضغوط شديدة. ولكنه يتغير — وهذا ما يجعل الأمل ممكناً.
عاشراً: ما العمل؟
أخطر ما في الوضع الراهن أن الفراغ الفكري الذي خلّفه الإسلام السياسي لم يملأه أحد بعد. فمن جهة، تحولت بقايا الحركة إلى ضجيج إعلامي وحضور ميداني مسلح لا يملك خطاباً سياسياً حقيقياً ولا رؤية للبلاد. ومن جهة أخرى، عجزت القوى المدنية والديمقراطية عن إنتاج خطاب يخاطب المزاج الديني العام الراسخ في نفوس السودانيين، فجاءت محاولاتها أحياناً مستغربةً ومستوردةً لا تجد سنداً في الواقع.
والسودان في جوهره مجتمع إسلامي قبل الحركة الإسلامية السودانية وبعدها، وهذا الواقع لا تستطيع أي قراءة سياسية واقعية تجاهله. لكن الإسلام الذي يحتاجه السودان ليس إسلام السلطة والاحتكار والقمع، بل إسلام الهداية والرشد والعدل الذي يخدم الإنسان لا يستعبده.
والمطلوب في هذه المرحلة ثلاثة أشياء بالتحديد:
أولها الاعتراف الصادق بما كان خطأً في الفكرة والممارسة معاً. لا يكفي الاعتراف بفساد التطبيق مع التمسك بأن الفكرة كانت صائبة، لأن الفكرة نفسها حملت في داخلها بذور إفلاسها حين اختارت الانقلاب العسكري طريقاً للتغيير.
وثانيها الانفصال الواضح الحاسم عن فلول نظام الإنقاذ ومصالحه. لا يمكن لأي مشروع إصلاحي حقيقي أن يُبنى على شراكة مع من أفسدوا ولا يزالون يريدون الإفساد.
وثالثها بذل الجهد الفكري الحقيقي في صياغة خطاب سياسي جديد يخاطب سودان اليوم بلغة اليوم، لا بأرشيف شعارات التسعينيات المتقادمة. وهذا ما ينبغي أن يكون المشروع الحقيقي لمن يريد أن يقول إنه يعمل باسم الإسلام في السودان.
خاتمة: من يملك شجاعة السؤال؟
حين يسقط نظام لا يسقط معه بالضرورة الوهم الذي أنشأه. وحين تنهزم حركة لا تنهزم معها بالضرورة الأسئلة التي طرحتها. والأسئلة الحقيقية التي طرحها الإسلام السياسي عن علاقة الدين بالحياة العامة، وعن هوية السودان وطبيعة دولته، وعن العدل في توزيع الثروة والسلطة — هذه أسئلة باقية تستحق أجوبة أفضل مما قدّمه من سبق.
لكن الأجوبة الأفضل لن تأتي من الذين يُقدّمون الأمس على أنه اليوم، ولا من الذين يرون في الهزيمة العسكرية مدخلاً للعودة السياسية. ستأتي ممن لديهم الشجاعة على مراجعة التجربة من أصولها، وبناء رؤية جديدة على أنقاض ما ثبت زيفه، ويملكون في الوقت ذاته القدرة على مخاطبة السودانيين بلغتهم وفهم واقعهم.
وهذا ما كُتب من أجله. لا للانتقام ولا للتبرئة، بل لأن السكوت في مثل هذه اللحظة هو أكثر الخيانات للوطن والتاريخ والإنسان خطراً وأبعدها أثراً.




