حينما يجلس إعلامي بقامة خالد لقمان ليحاور شاعراً وصحفياً استثنائياً بقيمة الراحل المقيم محمد نجيب محمد علي، فنحن لا نقف أمام مجرد لقاء تلفزيوني أو إذاعي عابر، بل أمام وثيقة ثقافية وإنسانية باذخة، تستحق أن نتوقف عندها طويلاً لتأمل حال الثقافة والمبدعين في بلادنا.
في هذا الحوار، لم يكن محمد نجيب يتحدث عن نفسه بقدر ما كان يفتح نوافذ روحه المثقلة بعبء الإبداع والوعي. وحينما يعود بالذاكرة إلى طفولته ومحاولته الطفولية “الهروب حول العالم على دراجة”، فهو لم يكن يهرب من واقع، بل كان يركض خلف رغبة جموحة لاكتشاف كنه الوجود، وهي ذات الرغبة التي جعلته يختار “العزلة الأولى” في التاسعة من عمره؛ تلك العزلة الإيجابية التي ولدت من رحمها الحروف والقصائد.
إن “المطب الحقيقي” الأول الذي يواجهنا اليوم ونحن نقرأ تفاصيل هذا الحوار الشجي، هو كيف تحول الإبداع في بلادنا إلى فعل مكابدة يومية؟ وكيف يولد هذا التمسك الأسطوري بالقصيدة والكتابة، رغم الجوع والفقر والرهق؟ يقول الراحل إن علاقته بالشعر لم تكن خياراً، بل كانت “شيئاً منه، زمله ودثره”، وهنا تكمن عظمة المبدع الحقيقي الذي لا يرى في القلم ترفاً أو وظيفة, بل رسالة وجودية لمقاومة الجهل، والظلم، والأمية.
يقودنا هذا الحوار مباشرة إلى مأزق ممتد في مسيرتنا الإبداعية؛ وهو أزمة توثيق الذاكرة الوطنية. إن لقاء خالد لقمان بالراحل يمثل “عملية إنقاذ” واعية لقطعة غالية من وجداننا الجمعي قبل أن تطوى برحيل صاحبها. وهو ما يضعنا أمام تساؤل ملحٍ عن غياب المؤسسية في رعاية مبدعينا، وترك إرثهم الفكري رهيناً بمبادرات إعلامية فردية -رغم نبلها- بدلاً من أن يكون مشروعاً قومياً لحماية ذاكرة الأمة من النسيان والتلاشي.
ومن هذا المطب التوثيقي، نلتفت إلى مرثية الصحافة الثقافية الرصينة التي كان محمد نجيب أحد أبرز صناع ملاحقها وقلاعها. هذا اللقاء يعيد التذكير بالفجوة الهائلة التي خلفها تراجع المساحات الثقافية في صحافتنا المعاصرة، والتي انزوت لحساب المادة السياسية الآنية والإثارة الرقمية العابرة، مما حرم الأجيال الجديدة من منابر حقيقية تشكل وعيهم وترتقي بذائقتهم الأدبية.
لقد وضعنا هذا اللقاء وجهاً لوجه أمام حقيقة توجس السياسة والساسة من الكلمات والقصائد؛ فالإشارة الذكية للراحل حول هذا التوجس تؤكد أن المثقف الحقيقي يظل دائماً في خط المواجهة، ليس عداءً مجرداً، بل لأن رسالته تقتضي الانحياز المطلق للإنسان وقضاياه، والابتعاد عن التبشير بالشعارات السياسية المؤقتة. فالكلمة الصادقة تملك -دون غيرها- قدرة عجيبة على البقاء والخلود، بينما تفنى الكراسي والتحالفات العابرة.
وهنا يبرز المطب الأكبر والتحدي الراهن؛ فإذا كانت المنابر التقليدية قد تراجعت، فإن المسؤولية تنتقل اليوم إلى الفضاء الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي. إن إرث محمد نجيب وأقرانه يجب ألا يظل حبيس أشرطة قديمة أو صفحات منسية، بل هو أمانة في أعناق المنصات الرقمية الحديثة وصنّاع المحتوى من الشباب، لإعادة إحياء هذا الفكر وتقديمه للأجيال الجديدة بلغة العصر، حمايةً للهوية الثقافية من التسطيح والتشويه.
ولعلّ المفتاح الإيجابي والمثمر الذي نهديه للأجيال الشابة من هذا الحوار، يكمن في تشخيص الراحل لوظيفة الكاتب حين أكد أنه لا يمكن أن يكتفي بذاكرة واحدة، بل يحتاج إلى “تعدد الذواكر والشرائح والعيون”. إنها الدعوة الأثمن لعدم الانغلاق، والركض خلف المعرفة المتعددة، والاطلاع على أبعاد إنسانية وسياسية واجتماعية وثقافية متنوعة، ليكون القلم قادراً على القياس والرصد برؤية ثاقبة وعين لا تغفل عن التفاصيل.
وأنا بدوري، كصحفية عايشت هموم الكلمة ومكابدة الحرف، أرى أن عكس حوار ثري مثل هذا، واسترجاعه وإعادة قراءته في هذا التوقيت بالذات، ليس مجرد ترف فكري أو اجترار للذكريات؛ بل هو واجب وطني ملحّ تمليه علينا أمانة المهنة لخدمة الأجيال الجديدة. إننا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لإعادة وصل ما انقطع من حبل الوعي، وتقديم هذه النماذج المضيئة كبوصلة تهتدي بها العقول الشابة في زمن تلاطمت فيه أمواج التسطيح الفكري. ومن هنا، أتمنى صادقة من الجميع مراجعة هذا الحوار المتاح عبر منصة “يوتيوب”، للاطلاع عليه عن قرب، وفهم عمق ما قيل فيه من شهادات وأفكار تزن ذهباً.
إن حديث محمد نجيب عن النيل كـ “سلسبيل للحياة” ونافذة للروح، يعيد إلينا الطمأنينة بأن مخزوننا الوجداني والثقافي لا يزال حياً، مهما بلغت قسوة الظروف المحيطة بنا. رحم الله الأستاذ محمد نجيب محمد علي، الذي عاش عاشقاً ومعشوقاً للقصيدة والوطن، والتحية للإعلامي خالد لقمان الذي استنطق هذا الجيل وصنع لغة حوارية شاعرية ومثمرة تليق بمقام المبدعين.




