*مِفْتَاحُ المدى… (حكاوي من زمن الحرب) عن حي العقدة… وعن نسائه اللواتي يضيئن الطريق – 2 بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

وما زال عطاؤهن يضيء الطريق، برغم الصعوبات وتحديات الحياة؛ فهن نساء اخترن أن يتحدين القدر، وأن يقهرن المستحيل، وأن يقلن للحياة كلما ضاقت: نحن هنا… ولن نترك أحداً وحده.
ومن بين الحكايات التي تستحق أن تُروى، حكاية ( وجبة مرضى الأورام)؛ ذلك الاسم البسيط الذي أصبح يحمل في داخله معنى كبيراً.
( وجبة مرضى الأورام) اسم لقروب على الواتساب، لكنه في الحقيقة ليس مجرد قروب، ولا مجرد رسائل تتبادلها النساء بينهن؛ إنه مطبخ كبير للخير، ومائدة تمتد من بيوت أهل العقدة إلى مرضى الأورام الذين لجأوا إلى مروي بحثاً عن رحلة أمل.
كل يوم خميس، هناك وجبة تُعد، وتبرعات تُجمع، وأيدٍ تعمل، وقلوب تفتح أبوابها قبل أن تفتح خزائنها.
أولئك المرضى جاءوا إلى مروي طلباً للعلاج، وربما حمل كل واحد منهم خوفه ووجعه وأمله الصغير لكنهم وجدوا شيئاً آخر لم يكن في قائمة العلاج؛ وجدوا أهلاً وجدوا من يقول لهم، بالفعل لا بالكلام:
أنتم لستم غرباء… نحن معكم.
وهكذا صار الطعام أكثر من طعام، وصارت الوجبة أكثر من وجبة؛ أصبحت رسالة إنسانية تقول إن المريض، في أصعب لحظات حياته، يحتاج إلى الدواء، لكنه يحتاج أيضاً إلى من يشعره بأنه ليس وحيداً.
وهكذا هم أهلي منذ أن فتحنا أعيننا على الحياة؛ وجدناهم ( جبّارين خواطر) .
يجبرون خاطر من أوجعته الأيام، ويقفون إلى جانب من أثقلته الظروف، ولا يسألون كثيراً: من أنت؟ وكم تملك؟ وما الذي تستطيع أن ترده لنا؟ يكفي أن تكون محتاجاً…فيكونون أهلك.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن وراءها نساءً يعملن في صمت؛ لا يبحثن عن صورة، ولا ينتظرن تصفيقاً، ولا يرفعن أصواتهن بالحديث عما فعلن. يعملن لأن الخير، في قاموسهن، لا يحتاج إلى إعلان.
لكن الخير، حين يكبر، يحتاج إلى من يسنده.
ومن هنا، ربما آن الأوان لأن تكبر الفكرة أكثر من «وجبة مرضى الأورام» في حي العقدة.
لماذا لا تتحول هذه المبادرة إلى مبادرة مجتمعية تشترك فيها أحياء مروي وكريمة جميعاً؟
فإذا كانت هناك سبعة أحياء، يمكن أن يتولى كل حي يوماً واحداً من أيام الأسبوع، فتكون هناك وجبة يومية طوال أيام الأسبوع، ولا يبقى العبء على مجموعة واحدة أو نساء حي واحد.
يوم للعقدة، ويوم لحي آخر، ويوم لحي ثالث… حتى تكتمل الأيام السبعة.
وهكذا يتحول العمل من مبادرة حي إلى ثقافة مدينة، ومن جهد أفراد إلى تكافل مجتمعي منظم.
لكن، وربما الأهم، أن نتجاوز مفهوم الإطعام نفسه.
فالمريض الذي يأتي إلى مروي للعلاج لا يحتاج إلى الطعام وحده؛ قد يحتاج إلى سكن مناسب وكريم وآمن له ولمرافقه، وإلى من يساعده في معرفة أماكن العلاج والتنقل وقضاء فترة العلاج في ظروف تحفظ كرامته.
ولذلك يمكن أن تمتد المبادرة إلى إنشاء دليل أو سجل للسكن المتاح، والتنسيق مع أصحاب المنازل وأهل الخير لتوفير غرف أو مساكن بأسعار رمزية أو مجاناً للحالات الأشد حاجة، مع وضع آلية واضحة تحفظ حقوق الجميع وكرامة المرضى.
وهنا يمكن أن تتشكل المبادرة في مسارين متكاملين:
أولاً: مائدة الرحمة
توفير وجبة منتظمة للمرضى ومرافقيهم طوال أيام الأسبوع، من خلال مشاركة أحياء مروي وكريمة.
ثانياً: بيت الرحمة
العمل على توفير سكن مناسب وآمن وكريم للمرضى القادمين من خارج المنطقة خلال فترة العلاج، بالتعاون مع أهل الخير وأصحاب المنازل والجهات المحلية والمنظمات.
وقد تتوسع المبادرة لاحقاً، بحسب الإمكانات، لتشمل المواصلات والمرافقة والإرشاد وتنسيق الخدمات، بحيث لا يأتي المريض إلى مروي فيجد العلاج وحده، وإنما يجد حول العلاج مجتمعاً يحتضنه.
ومن هنا، أدعو بصورة مباشرة أهل الخير، ورجال الأعمال، وأبناء مروي وكريمة في الداخل والخارج، والمنظمات الإنسانية والجهات المحلية إلى دعم هذه المبادرة عملياً، عبر ثلاث أولويات:
مساهمة شهرية ثابتة تضمن استمرار الوجبات، وتوفير المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية، ودعم إنشاء آلية منظمة للسكن والخدمات المصاحبة للمرضى.
والأهم أن تنتقل المبادرة من قروب واتساب إلى عمل مجتمعي منظم، بلجنة واضحة وآلية للتبرعات والصرف، حتى لا يبقى استمرارها رهيناً بجهد أفراد أو بتبرعات متقطعة.
ليس المطلوب أن يحمل شخص واحد العبء كله؛ المطلوب أن يحمل كل حي يوماً، وكل قادر جزءاً من المسؤولية.
فبدلاً من أن نسأل كل أسبوع هل ستتوفر الوجبة القادمة؟ نريد أن نصل إلى مرحلة نقول فيها الوجبة مضمونة، والسكن متاح، والمريض بين أهله.
وهنا تكمن الحكاية الحقيقية.فما بدأته نساء العقدة يمكن أن يصبح نموذجاً تتبناه المدينة كلها.من وجبة في قروب واتساب… إلي مبادرة مدينة.ومن إطعام المريض… إلى احتضانه.ومن جبر خاطره ليوم… إلى حفظ كرامته طوال رحلة العلاج.ولعل أجمل ما يمكن أن تقوله مروي وكريمة لمريض جاء إليهما بحثاً عن الشفاء:
( جئت تبحث عن العلاج، فوجدت العلاج… ووجدت معه أهلاً وبيتاً ومائدةً وقلوباً تقول لك: أنت بيننا، ولست وحدك).
فيا أهل مروي وكريمة، ويا أحياءها وبيوتها وأهل الخير فيها:هذه المبادرة تستحق أن تكبر، وأن تصبح مسؤولية مشتركة والبداية بسيطة:
سبعة أحياء… سبعة أيام… مائدة لا تنقطع، وسكن كريم لمن يحتاج، وقلوب تفتح أبوابها لمن جاء يطلب الأمل. وفي زمن الحرب، حين أصبح كثير من الناس يبحثون عن أنفسهم، ما زال في هذه البلاد من يبحث عن الآخرين.
وهذا وحده…
يكفي لأن يظل الطريق مضيئاً.
ونواصل …. mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة