*مِفْتَاحُ المَدَى…( حكاوي من زمن الحرب) إنه… دكتور النَّيل الفاضل بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

بعض الأصدقاء لا تحتاج في الحديث عنهم إلى كثير من الكلمات؛ تكفيك معهم سنوات الصحبة ، ومواقف الأيام، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لا يعرفها إلا من عاشها.
والنَّيل الفاضل واحد من أولئك الذين صنعتهم الصحبة قبل أن تصنعهم المناسبات. عرفته أخاً وصديقاً وزميلاً، وعرفته في أيام عادية وأخرى لم تكن عادية، حين جعلت الحرب كثيراً من الأشياء مؤجلة، وكشفت في الوقت نفسه معادن الرجال.
لذلك، حين جاء خبر حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، لم أستقبل الخبر باعتباره شهادة أكاديمية فحسب؛ بل شعرت بفرحة الصديق الذي يرى رفيق دربه يصل إلى محطة ظل يستحقها منذ زمن، فالدكتوراه هنا ليست نهاية حكاية، وإنما ثمرة طريق طويل من العلم والصبر والعمل.
ولعل أجمل ما في النَّيل أنه لم يكن كثير الحديث عن نفسه؛ كان يترك للمواقف أن تقول ما لا يقوله، وللأيام أن تقدم شهادتها عنه.
ولعل في اسمه شيئاً من حكايته أيضاً؛ فـالنِّيل عطاءٌ وامتداد، والنَّيل بلوغٌ لما يُراد. وكأن المعنيين التقيا فيه يعطي من مودته وفكره، ويمضي في طريقه حتى يبلغ غايته.
ولهذا لم تضف الدكتوراه إلى النَّيل قيمة لم تكن فيه، وإنما أضافت إلى مسيرته صفحة تستحق أن تُقرأ، فالألقاب لا تصنع الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يمنح اللقب معناه.
وأحسب أن أجمل ما في هذه الصفحة لم يكن حصولك على الدرجة العلمية وحده، وإنما ما فعلته بها بعد حصولك عليه، فقد بلغت بالوفاء قمته حين أهديت هذا النجاح إلى شهدائنا الأبرار الكرام وأسرهم.
هناك، تحديداً، اتسعت فرحتك لتشمل من غابوا، وأسرهم التي حملت من الفقد ما لا تستطيع الكلمات أن تحمله. جعلت من نجاحك الشخصي مساحةً لذكر من يستحقون أن يكونوا حاضرين في أفراحنا، حتى وإن غابوا عن أعيننا وهذه، يا صديقي، صورة من الوفاء تليق بك.
ولأسرتك الصغيرة حق في هذه الفرحة؛ فقد كانت شريكة في الطريق، تعرف عناءه وانتظاره، وتعرف أن خلف كل شهادة أياماً لا تظهر في لحظة الاحتفال.
ولوالديك الكريمين، المعلّمين، نصيب أعمق من الفرح؛ فقد غرسا فيك العلم قبل أن يصبح شهادة، وغرسا فيك قيمة الإنسان قبل أن يصبح صاحب لقب ، هذا بعض غرسكما… وقد أثمر.
يا نَيل…
قد تتغير الألقاب، وتتبدل الظروف، وتتباعد بنا الأيام، لكن بعض الصداقات تظل في مكانها الجميل؛ لا تحتاج إلى كثرة اللقاء كي تثبت وجودها.ولهذا أقول لك اليوم، بفرحة الصديق لا بلغة الاحتفال:
مبارك لك يا دكتور النَّيل الفاضل.
مبارك لأسرتك، ولوالديك، ولكل من كان جزءاً من هذا الطريق.
ودمتَ للخُلّة سنداً، وللعلم صاحباً، وللفكرة حاملاً ومدافعاً، وللوطن ذخراً، وللمعالي عنواناً.
فهذا ليس آخر المدى يا نَيل…
إنه مفتاحُ المدى.
ونواصل …. mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة