فوجئ سكان حي العقدة العريق بالتوسع في الموقع المخصص لمقابر الحي القديمة، الواقعة بالقرب من النيل، ضمن أعمال مرتبطة بمحطة مياه المدن. وأثارت هذه الأعمال تساؤلات حول طبيعتها، ومدى التنسيق مع لجنة الحي والمواطنين قبل تنفيذها.
وبحسب المعلومات المتداولة، يهدف المشروع إلى إنشاء محطة للطاقة الشمسية وتركيب مئات الألواح لتوفير الكهرباء لمحطة المياه، بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف». ولا خلاف على أهمية المشروع في تحسين استقرار إمدادات المياه، غير أن تنفيذه داخل مقابر قديمة يتطلب مراعاة خصوصية الموقع، وإطلاع السكان على تفاصيله، وإشراكهم في مناقشة آثاره.
*مقابر الدويحي.. تاريخ وأسئلة تنتظر الإجابة*
تُعرف المقابر لدى الأهالي باسم مقابر الدويحي أو مقابر العقدة، ويشير أبناء الحي إلى أن تاريخها قد يمتد لأكثر من مائة عام، مع تسجيل حالات دفن محدودة في السنوات الأخيرة لاطفال من الحي .
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توضيح رسمي بشأن الموقع المستهدف، وما إذا كانت الأعمال قد شملت نطاق المقابر أم اقتصرت على مساحة مجاورة. كما تبرز أهمية بيان ما إذا كانت هناك أعمال حفر أو تدخلات يمكن أن تمس الرفات، والجهات التي أجازت المشروع.
ويقول سكان إنهم لم يُدعوا إلى مشاورات مسبقة مع إدارة المحطة أو الجهات المنفذة. وكان من الممكن عقد لقاء في دار العقدة أو أحد مساجد الحي، بمشاركة اللجنة التسييرية وإدارة المحطة والجهات المختصة وعلماء الدين، لشرح المشروع والاستماع إلى ملاحظات الأهالي.
وفي حال ثبوت وجود أي تدخل داخل نطاق المقابر، ينبغي الرجوع إلى الجهات القانونية والدينية المختصة، والالتزام بالإجراءات المعمول بها، بما يضمن احترام حرمة الموتى وعدم المساس بالرفات قبل استكمال الموافقات اللازمة.
*إدارة المحطة أمام مطالب التوضيح*
كان التواصل المباشر بين إدارة المحطة وسكان الحي كفيلاً بتقليل الالتباس، خصوصاً أن مدير المحطة، المهندس أسامة مجذوب الخضر، ينتمي إلى المنطقة نفسها.
وقد حاولت التواصل معه للاستفسار عن تفاصيل القضية والتحقق من المعلومات قبل النشر، لكنني لم أتلقَّ رداً على الاتصالات أو رسائل واتساب حتى إعداد هذا المقال.
ونورد ذلك من باب التوثيق المهني، مع التأكيد على الترحيب بأي توضيح من مدير المحطة أو الجهة المشغلة بشأن طبيعة الأعمال، وحدود الموقع، والإجراءات المتخذة لحماية المقابر والرفات.
فإتاحة المعلومات والرد على استفسارات المواطنين جزء من مسؤولية المؤسسات العامة، ولا سيما في القضايا التي تمس تاريخ المجتمع ومشاعره. كما أن الشفافية تساعد على بناء الثقة وتجنب التأويلات.
*شهادة البحث.. أسئلة تنتظر التوضيح*
أشارت اللجنة التسييرية لحي العقدة إلى وجود شهادة بحث مرتبطة بالمقابر، صدرت، وفق إفادتها، في عام 1987م كما أوصح لهم نائب مدير المحطة المهندس الحارث وهو شخص متعاون جدا سبق أن تواصلت معه في موضوع دعم اليونسيف للمحطة. وجود شهادة بحث للمقابر التي تعد اقدم من محطة المياه نفسها معلومة تحتاج إلى مراجعة المستندات الرسمية والتحقق منها قبل استخلاص أي نتائج.
وتتمثل الأسئلة الأساسية في: ما طبيعة الشهادة؟ وما حدود الأرض التي تشملها؟ وهل تتعلق بالملكية أم بالتخصيص أو التسجيل لغرض معين؟ وكيف تتوافق بياناتها مع التاريخ المتداول للمقابر؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب الاطلاع على أصل المستند ومراجعة سجلات الأراضي، إلى جانب الاستماع إلى إدارة المحطة واللجنة التسييرية، حتى تتضح الوضعية القانونية للموقع أمام المواطنين.
*حقوق الحي وشكاوى السكان*
لا تقتصر مطالب الأهالي على مشروع الطاقة الشمسية، بل تمتد إلى العلاقة العامة بين المنشآت الخدمية والصناعية الموجودة في المنطقة وحقوق المجتمع المحلي.
ويشير بعض السكان إلى وجود مصنع ومنشآت للكهرباء وشركات للديزل وغيرها، متسائلين عن نصيب الحي من الخدمات مقابل استضافة هذه المنشآت بالقرب من مساكنهم.
كما يطرح مواطنون شكاوى بشأن تصدعات وتشققات في بعض المنازل المتاخمة للمنشآت، ناتجة من تسرب للمياه من المحطة بالإضافة إلى انتشار البعوض الذي يقولون إنه يتكاثر في أحواض المياه. وهذه الشكاوى تحتاج إلى فحص فني وبيئي مستقل لتحديد أسباب التصدعات ومصادر تكاثر البعوض، ثم إعلان النتائج واتخاذ الإجراءات المناسبة.
ومن المطالب التي تطرحها اللجنة التسييرية إعفاء مواطني الحي من رسوم المياه، أو اعتماد صيغة تخفف الأعباء عنهم وفق اللوائح والإمكانات المتاحة. كما ينبغي فتح حوار واضح حول أسس توزيع المياه والرسوم والغرامات، خصوصاً بعد شكاوى سابقة من قطع المياه وفرض غرامات على بعض المنازل.
إن إدارة المرافق لا ينبغي أن تقتصر على تقديم الخدمة وتحصيل الرسوم، بل يجب أن تقوم على الشفافية والإنصاف والاستجابة لملاحظات السكان، خاصة في المناطق التي تتحمل أعباء وجود منشآت خدمية أو صناعية بالقرب منها.
*دعم اليونيسف.. جهود تستحق التقدير*
تستحق منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» خالص الشكر والتقدير على دعمها جهود تأهيل محطة مياه المدن وتطويرها، بما في ذلك مشروعات الطاقة الشمسية، وهو دعم يُعوّل عليه في تحسين استقرار إمدادات المياه وتخفيف معاناة المواطنين.
كما نثمّن جهود المنظمة في دعم مشروعات المياه والخدمات الأساسية في مناطق أخرى من السودان، بما يسهم في الاستجابة لاحتياجات المجتمعات المحلية، في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تمر بها البلاد بسبب الحرب.
ونأمل أن تتواصل هذه الجهود، وأن تكتمل أعمال تأهيل المحطة والأحواض ومشروعات الطاقة الشمسية، بما يحقق الفائدة للمواطنين ويحسن مستوى الخدمات المقدمة لهم.
وفي الوقت نفسه، فإن تقديرنا للدعم الذي تقدمه اليونيسف لا يتعارض مع المطالبة بالشفافية والتشاور مع أهالي العقدة بشأن الأعمال المجاورة للمقابر القديمة، وضمان احترام حرمة الموتى والالتزام بالإجراءات القانونية والشرعية اللازمة.
فالتنمية الحقيقية هي التي تجمع بين تحسين الخدمات وحماية حقوق المواطنين واحترام تاريخ المجتمعات المحلية وخصوصيتها.
*مطالب الأهالي.. توضيح وحوار وحماية للمقابر*
تتمثل أبرز مطالب أهالي العقدة في الآتي:
توضيح طبيعة الأعمال وحدود الموقع داخل المقابر التي كانت مخصصة لتكون وقفا للمسجد العتيق تقام عليها مشاريع مستقبلا يكون عائدها لصالح المسجد .
مراجعة شهادة البحث المشار إليها، وبيان الوضع القانوني للأرض استناداً إلى المستندات الرسمية.
التأكد من عدم المساس بالمقابر أو الرفات.
عقد لقاء مشترك بين إدارة المحطة واللجنة التسييرية والأهالي والجهات المختصة.
فحص شكاوى تصدعات المنازل وانتشار البعوض، وإعلان نتائج الفحوصات واتخاذ التدابير اللازمة.
فتح حوار حول رسوم المياه وتحسين الخدمات المقدمة لسكان الحي.
التنمية لا تتعارض مع احترام حقوق الأهالي
إن قضية مقابر العقدة ليست اعتراضاً على تطوير محطة المياه أو استخدام الطاقة الشمسية، بل هي مطالبة بتوضيح الحقائق واحترام الموقع وإشراك المواطنين في القرارات التي تمس مجتمعهم.
فالتنمية لا تُقاس بعدد الألواح الشمسية والمنشآت وحدها، وإنما بقدرتها على تحسين حياة الناس، وحماية حقوقهم، وتعزيز الثقة بين المؤسسات والمجتمعات المحلية.
أهل العقدة لا يطلبون تعطيل التنمية، بل يريدون أن تتم بشفافية وتشاور، وبما يحفظ كرامة الإنسان وحرمة الموتى وحقوق المجتمع المحلي.
فالهدف هو محطة مياه أكثر استقراراً، وخدمات أفضل للمواطنين، وتنمية تحترم تاريخ المنطقة وأهلها، وتقوم على الحوار والتعاون لا على تجاوز التساؤلات دون إجابات.




