*مفتاح المدى ( حكاوي من زمن الحرب) القرارات المرتدّة… من يمسك بزمام المطبخ الحكومي؟ بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

في أوقات الحروب والأزمات الكبرى، لا تُقاس كفاءة الحكومات ببلاغة خطاباتها ولا بكثرة تعاميمها وقراراتها، بل بدقة صنع القرار، وحُسن صياغته، وقدرته على الصمود أمام واقع الحرب المعقّد. فالقرار الحكومي في أوقات الشدّة أشبه ببوصلة؛ تُحسب خطواته بدقة، لأن أثره يمتد إلى حياة الناس وأمنهم ومعاشهم اليومي.
لكن المتأمل في مسار الجهاز التنفيذي في السودان خلال هذه الظروف الاستثنائية، يلحظ ظاهرة إدارية مقلقة تتكرر بصورة لافتة، هي ( القرارات المرتدّة) قرارات وتعاميم وتوجيهات تصدر صباحاً، ثم تُعدّل أو تُجمّد أو يُتراجع عنها بعد ساعات أو أيام قليلة.
هذا التذبذب الإداري يفتح باباً واسعاً من التساؤلات من يمسك بزمام المطبخ الحكومي اليوم؟ وأين غابت الإدارات الفنية وضوابط الأداء المؤسسي؟
*كيف يُصنع القرار في دولة المؤسسات؟*
في ذاكرة الخدمة المدنية السودانية وتجربتها المتراكمة، لم يكن القرار الحكومي يصدر بضربة قلم فردية أو استجابة لرغبة عابرة، فقد مثّلت الأمانة العامة لمجلس الوزراء والإدارات الفنية قاطرةً للعمل التنفيذي المهني، وكان القرار يمر بدورة متكاملة من الدراسة والتنسيق والمراجعة، ترتكز على عناصر أساسية، من بينها:
1. اللجان الوزارية القطاعية: في قطاعات الاقتصاد والخدمات والحكم والإدارة، حيث يلتقي الوزراء والخبراء وممثلو الإدارات الفنية لدراسة القرار من جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية، قبل اعتماده ( وقد تشرفنا من قبل بحضور واحدة من هذه اللقاءات) .
2. السكرتارية والتنسيق الفني: لضمان سلامة الصياغة القانونية والإدارية، ومراجعة آثار القرار ومدى اتساقه مع القوانين السارية وخطط المؤسسات الأخرى.
3. التنسيق المركزي وضبط الإيقاع: عبر الأمانة العامة لمجلس الوزراء والجهات المعنية، لتنسيق العمل التنفيذي ومنع الإعلان عن قرارات لم تستكمل مراحل دراستها أو لم تنضج بعد.
*لماذا أصبحت قرارات الحرب «مرتدّة»؟:*
إن تضارب القرارات والتراجع المتكرر عنها لا يبدو مجرد سلسلة من الأخطاء الإدارية العابرة؛ بل قد يكون مؤشراً إلى تراجع الأدوات المؤسسية التي تضمن اتساق القرار ودقته، ومن أبرز العوامل التي تسهم في ذلك:
• غياب التنسيق وتشتّت المرجعية: حين تضعف منظومة التنسيق المركزي، تعمل الوزارات والمؤسسات كجزر منفصلة، وقد تصدر قراراتها بمعزل عن الرؤية العامة للدولة.
• تغييب الإدارات الفنية والخبراء: تجاوز الرأي الفني يحرم القرار من دراسة آثاره المباشرة وغير المباشرة، فيصطدم بالواقع فور صدوره، ثم يرتد على الجهة التي أصدرته.
• هيمنة ردّ الفعل تحت ضغط الحرب: قد تدفع الأزمات الطارئة إلى إصدار قرارات سريعة، من دون ما يكفي من التخطيط أو التقدير المسبق. وحين تكون الصياغة قاصرة أو التداعيات غير محسوبة، تجد السلطة نفسها مضطرة إلى التراجع تفادياً لأزمة أكبر.
*كلفة التراجع في زمن الحرب*
التراجع عن الخطأ فضيلة إدارية متى استند إلى مراجعة مسؤولة وتقييم شجاع. لكن تكرار القرارات المرتدّة في زمن الحرب يفرض كلفة باهظة، إذ إنه:
• يربك المواطنين والأسواق في وقت لا يحتمل مزيداً من الاضطراب.
• ينتقص من وضوح القرار الحكومي ويضعف صورته المهنية.
• يهز ثقة الناس بقدرة الجهاز التنفيذي، ويكرّس انطباعاً بأن الدولة تُدار بردود الأفعال والترقيع، لا بالتخطيط والحكمة.
*خاتمة*
الحرب ليست ذريعة لتغييب المؤسسية، بل هي من أقوى دواعي التمسك بها. واستعادة الانضباط في الجهاز التنفيذي تبدأ بإحياء دور الخدمة المدنية، وتعزيز مكانة الإدارات الفنية والأمانة العامة لمجلس الوزراء، وتفعيل اللجان القطاعية، وإحكام التنسيق ومراجعة الصياغة قبل إعلان القرارات.
فالدولة التي تفقد بوصلة القرار وتستغني عن خبراتها الفنية تظل أسيرة حلقة القرارات المرتدّة. أما الدولة المؤسسية، فهي التي تدرس خطواتها بعناية حتى وسط الحريق، لتصدر قرارات واضحة، قابلة للتنفيذ، وأكثر عدلاً واستدامة.
ونواصل … mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة