*مأساة المعدّنين السودانيين.. لا تبرير للقتل ولا مجال للمزايدات. ضياء الدين بلال*

لا توجد أي مسوغات، أمنية كانت أم عسكرية، تبرر استهداف مجموعات من المدنيين العزل بالطائرات الحربية، وإزهاق هذا العدد الكبير من الأرواح، في واقعة لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة تتعلق بحماية الحدود أو السيادة الوطنية.
هؤلاء شباب فقراء ومعدمون، دفعتهم قسوة الظروف وضيق سبل العيش، في ظل الحرب المفروضة على السودان، إلى خوض المشاق والمخاطر بحثاً عن الذهب في بيئة جغرافية قاسية، أملاً في الحصول على ما يسد رمقهم ويوفر لأسرهم أبسط متطلبات الحياة.

وغالب هؤلاء الشباب لا يملكون الوعي الكافي بحدود الدول وما يحكم عبورها من قوانين وضوابط، وكان بالإمكان التعامل مع وجودهم عبر الوحدات العسكرية والأمنية المختصة، دون اللجوء إلى القوة المفرطة واستخدام الطيران الحربي ضد مجموعات لا تحمل السلاح.

صحيح أن الدولة السودانية تمر بأضعف أوضاعها نتيجة الحرب المفروضة عليها، ولم تعد قادرة على فرض رقابة صارمة على امتداد حدودها الواسعة، كما أن من حق دول الجوار حماية حدودها وصون سيادتها والتصدي لأي توغل، منظماً كان أم عشوائياً، متى شكّل في نظرها تهديداً لأمنها واستقرارها.

لكن هذا الحق لا يمنح أي دولة تفويضاً مفتوحاً لاستخدام القوة القاتلة ضد مدنيين عزل، ولا يعفيها من الالتزام بالقوانين والأعراف الدولية التي تحكم استخدام القوة، وتوجب مراعاة الضرورة والتناسب وحماية الأرواح.

المعادلة هنا واضحة ولا تحتمل اللبس، والمأساة أكبر من أن تتحول إلى ساحة للمزايدات السياسية أو مناسبة للاستثمار الرخيص في دماء البسطاء لتحقيق أهداف ومكاسب سياسية مشبوهة.

فالقتل بهذه الطريقة، وما ينطوي عليه من استهانة فادحة بأرواح السودانيين، والتعامل معهم وكأنهم أسراب من الجراد الصحراوي، أمر مدان ومستنكر، ويستوجب موقفاً قوياً ومسؤولاً من الدولة السودانية، يحفظ كرامة مواطنيها ويطالب بالتحقيق والمساءلة وإنصاف الضحايا.

وفي المقابل، فإن تجاوز حدود الدول والتغول على ثرواتها وانتهاك سيادتها أمر مرفوض، ومن حق تلك الدول اتخاذ الإجراءات المشروعة لحماية أراضيها ومواردها، وفق القوانين والأعراف المعمول بها دولياً، دون إفراط في استخدام القوة أو استهتار بأرواح البشر.

أما أصحاب الأغراض السياسية، الذين يحاولون توظيف هذه المأساة لتصفية حساباتهم، فإن نواياهم مكشوفة وأساليبهم مفضوحة ، وسجلات أغلبهم ملطخة بالدماء، ولا تمنحهم دموعهم المصطنعة حق المتاجرة بأوجاع الضحايا.

فأرواح السودانيين ليست رخيصة حتى تُهدر بذريعة حماية الحدود، وليست سلعة سياسية حتى يتاجر بها أصحاب الأجندات.
والموقف الأخلاقي والوطني المتسق هو إدانة قتل الأبرياء، واحترام سيادة الدول، والمطالبة بالعدالة للضحايا، دون انتقائية في المبادئ أو ازدواجية في المعايير.

مقالات ذات صلة