*ضد التيار / هيثم كابو حقيقة مهرجان الجونة!*

 

• مخطئ من يظن أنها مجرد مدينة سياحية تقع على ساحل البحر الأحمر، تخطف الأفئدة وتسحر العقول، ومصيب ذاك الذي يدرك أنها فكرة متجاوزة تلبس ثوب البحر.
• متى ما هبطت مطار الغردقة الدولي بجمهورية مصر العربية، واتجهت جنوبًا حوالي عشرين كيلو مترًا، تشعر بأنك لم تسافر جغرافيا، بل شددت الرحال جماليًا من الضوضاء إلى الصفاء، وهجرت الزحام لتقطع وعدًا مع مدينة صارت رمزًا للإبداع والسينما وموطنًا للفن السابع.
• الجونة لا تصافحك عندما تدخلها زائرًا، بل تعانقك بحميمية الحبيب الغائب والابن العائد، فهي مدينة لا تصرخ ليسمع الناس صوتها، بل تهمس لتبعث أنفاسها، لا تزدحم، بل تتنفس، وكأن مهندسًا عاشقًا رسمها بريشة ساحرة، فجعل البحر شوارعها، والنسيم حارسها، والضوء لغة سكانها.
• وغدًا “الخميس” الخامس عشر من أكتوبر، تخلع الجونة ثوبها السياحي الهادئ، وترتدي فستانها السينمائي الأحمر، لتصبح عاصمة للصورة، ومحرابًا للضوء.
• المهرجان ليس كما تختزله (السوشال ميديا) عبارة عن سجادة حمراء، يمشي عليها النجوم فحسب، فالجونة طبقًا لدوراته السابقة أعمق من البريق و”الفلاشات” والأضواء، وأكبر من “الشو” واستعراض الأزياء، وأعمق من المشاهد التي يتم تداولها بكثافة، بينما شعاره وفكرته وفلسفته وعروضه وندواته ومراجعاته ووقفاته وقراءاته، تمثل منارة سامقة، يهتدي بها أهل الفن؛ تنويرًا ووعيًا ونورًا وضياء.
• عبقرية مهرجان الجونة السينمائي تكمن في أنه ذلك المختبر الذي يجمع بين صخب “هوليوود” وهمس السينما المستقلة. بين الفيلم الذي كلف ملايين الدولارات، والفيلم الذي كلف حلمًا واحدًا صادقًا لمخرج شاب، وتميز مهرجان الجونة في كونه الجسر الذي تعبر عليه السينما المصرية والعربية إلى العالم، وتنفذ من خلاله سينما العالم إلى مصر والوطن العربي، دون جواز سفر سوى الإبداع.
• أجمل ما في الجونة، أنها لا تستضيف السينما، بل تسكنها. ففي الصباح ندوات على حافة “اللاجون”، كأن الأفكار تخرج من الماء، وفي الظهيرة، لقاءات صناع السينما تحت ظلال النخيل، تتبادل الخبرات كما يتبادل البحارة حكايات الريح، وفي المساء، تنطفئ أضواء المدينة كلها، لتضيء شاشة واحدة عملاقة، فيصمت البحر احترامًا، وينصت الجميع ليستمتعوا بروائع الفن البديع.
• إن عبقرية الجونة، أنه وُلد ناضجًا، فلم يحتج لسنوات ليُثبت نفسه، بل أثبت وجوده منذ لقطة الميلاد الأولى؛ لذا فمن الطبيعي الا ينتظر الناس غدًا أفلامًا فحسب، بل يترقبون دهشة حقيقية، وفيض مشاعر دفاقة، فالرومانسية تحلق بهم بعيدًا، وأفلام النواح تدفعهم لذرف الدموع، وفي تلك القاعة تتعالى الضحكات “حد القهقهة” مع الكوميديا الساخرة، وتتنوع العروض، وتتباين الرؤى، وتختلف المعالجات، وتبقى التحية للقائمين على أمر المهرجان، والسلام على الجونة التي أكدت أن السينما يمكن أن تُبنى على الماء، وأن الفن يمكن أن يكون وجهة سياحية، وأن الحلم إذا كان له شاطئ وشاشة، فإنه لا بد أن يتحقق ولو طال الأمد، وبالفعل “المهرجان لحظة.. والسينما للأبد”.
نفس أخير
• متى ما المشاعر قلت، فتأكد أن أيام الحب ولت.

haythamcapo77@gmail.com
صحيفة البلاد السعودية

مقالات ذات صلة