*العقل الآخر هاشم تاج الدين العالم هل تعلم أن جهازك يتجسس عليك؟*

 

* عفوا لا تندهش عندما تتحدث عن منتج مع صديقك، ثم تفاجأ بإعلان عنه على هاتفك. وقد تبحث عن شقة أو تخطط لرحلة، فتجد الإنترنت يعرض عليك ما يشبه أفكارك. فهل يعرف هاتفك ما يدور في ذهنك، أم أن الأمر أكثر تعقيدًا؟
* تخيل أنك تجلس مع أحد أصدقائك وتتحدثان عن شراء سيارة جديدة. ينتهي الحديث، وتفتح هاتفك بعد ساعات، فتجد إعلانًا عن السيارة نفسها. وربما حدث معك موقف مشابه عندما بحثت عن شقة للإيجار أو جهاز إلكتروني، ثم بدأت الإعلانات المتعلقة به تظهر أمامك على مواقع مختلفة.
* هذه المواقف تثير سؤالًا مشروعًا: هل تستمع هواتفنا إلى أحاديثنا؟
* ليس من الدقة اعتبار ظهور الإعلان دليلًا على التنصت؛ فقد تعتمد أنظمة الإعلان على عمليات البحث والتصفح واهتمامات المستخدم، وأحيانًا على بيانات تربط أنشطته عبر مواقع وتطبيقات مختلفة. وقد تكون هناك تفسيرات أخرى بحسب الحالة، لكن لا يمكن تحديد السبب بمجرد ملاحظة الإعلان.
ومع ذلك، فإن غياب الدليل على التنصت في موقف معين لا يعني أن مخاوف الخصوصية لا أساس لها، فالأجهزة والتطبيقات تجمع بالفعل أنواعًا متعددة من البيانات، وقد لا يدرك المستخدم حجم المعلومات التي يشاركها أثناء استخدامه اليومي للإنترنت.
* هاتفك يعرف عنك أكثر مما تتصور، لننظر إلى يوم عادي: تستخدم تطبيق الخرائط للوصول إلى عملك، وتتصفح مواقع التواصل في استراحة الغداء، وتشتري احتياجاتك عبر الإنترنت مساءً. قد تترك كل هذه الأنشطة آثارًا رقمية تكشف اهتماماتك وعاداتك، بحسب الخدمات التي تستخدمها وإعداداتها.
* وتزداد أهمية هذه المسألة عند مشاركة الموقع الجغرافي. فإذا سمحت لتطبيق بالوصول إلى موقعك، فقد يتمكن من معرفة مكانك أثناء الاستخدام، أو في أوقات أخرى وفقًا للصلاحيات الممنوحة له. وقد تكشف سجلات الموقع، إذا جُمعت واحتُفظ بها، الأماكن التي تزورها بانتظام وأنماط تحركاتك.
* ولا يقتصر الأمر على البيانات التي تجمعها التطبيقات؛ فما ننشره بأنفسنا قد يكشف معلومات لا نقصد مشاركتها.
* صورة من شرفة المنزل قد تظهر معالم تحدد موقعه، وصورة لتذكرة سفر قد تكشف بيانات الحجز، ومنشورات متكررة قد توضح عاداتنا اليومية، بمعنى آخر قد تصبح تفاصيل صغيرة، عند جمعها معًا، صورة واسعة عن حياتنا الشخصية.
* الكاميرا والميكروفون: متى يصبح القلق مبررًا؟
عند تثبيت تطبيق جديد، قد نوافق على منحه صلاحية الوصول إلى الكاميرا أو الميكروفون أو جهات الاتصال دون أن نفكر في حاجته الفعلية إليها.
من الطبيعي أن يحتاج تطبيق مكالمات الفيديو إلى الكاميرا والميكروفون، وأن يحتاج تطبيق الخرائط إلى الموقع الجغرافي. لكن من حقنا أن نتساءل عن سبب طلب تطبيق لا تتطلب وظيفته هذه البيانات الوصول إليها، فمنح صلاحيات غير ضرورية قد يعرّض خصوصيتنا لمخاطر يمكن تجنبها، كما أن بعض البرامج الخبيثة وبرامج التجسس تستطيع استغلال الثغرات الأمنية أو الصلاحيات المتاحة للوصول إلى معلومات حساسة.
* وفي المقابل، لا تعني كل مطالبة بإذن وجود نية للتجسس، كما أن ارتفاع حرارة الهاتف أو استنزاف بطاريته لا يثبت وحده أن الجهاز مخترق. المهم هو التحقق من الصلاحيات، ومراجعة التطبيقات المثبتة، والانتباه إلى أي سلوك غير معتاد، فبياناتك ليست مجرد معلومات عابرة.
* تجمع بعض الشركات البيانات لتحسين خدماتها أو تخصيص الإعلانات. وقد يكون ذلك مفيدًا في بعض الحالات، لكنه يطرح سؤالًا مهمًا: أين تنتهي الخدمة ويبدأ انتهاك الخصوصية؟
* عندما تبحث عن منتج ثم تلاحقك إعلاناته، قد يبدو الأمر مجرد تسويق. لكن البيانات التي تُجمع عن نشاطك قد تكون ذات قيمة اقتصادية، خصوصًا عندما تُستخدم لفهم سلوكك والتنبؤ بإهتماماتك، وتصبح المخاطر أكبر إذا تسربت المعلومات أو وصلت إلى جهات غير موثوقة؛ فقد تُستغل في الاحتيال الإلكتروني أو انتحال الشخصية أو استهداف المستخدم برسائل مضللة.
* الخصوصية لا تتعلق بوجود شيء نخفيه، بل بحقنا في معرفة ما يُجمع عنا، وكيف يُستخدم، ومن يستطيع الوصول إليه.
* كيف تحمي نفسك؟.. سؤال إجابته لن تكون بالتخلي عن هاتفك أو التوقف عن استخدام الإنترنت، بل البدء بعادات بسيطة:
راجع صلاحيات التطبيقات، وألغِ الوصول إلى الكاميرا والميكروفون والموقع عندما لا تكون هناك حاجة إليه، تجنب تثبيت التطبيقات من مصادر مجهولة، واحرص على تحديث نظام التشغيل باستمرار، استخدم كلمات مرور قوية ومختلفة، وفعّل المصادقة الثنائية لحساباتك المهمة، قلّل المعلومات التي تنشرها علنًا، ولا تشارك صور المستندات أو تذاكر السفر التي تحتوي على بيانات شخصية، وراجع إعدادات الخصوصية والإعلانات في الخدمات التي تستخدمها، واحذف التطبيقات التي لا تحتاج إليها أو لا تثق بها.
* هذه الخطوات لا تمنع كل أشكال التتبع، لكنها تقلل المخاطر وتمنحك سيطرة أكبر على معلوماتك.
* السؤال الأهم ليس من المنطقي القول إن كل هاتف يتجسس على صاحبه، كما لا يصح تجاهل المخاطر الحقيقية لجمع البيانات. فهناك فرق بين إعلان مخصص بناءً على نشاطك الرقمي، وتطبيق يجمع موقعك، وبرنامج تجسس يصل إلى معلوماتك سرًا، لكن المؤكد أن حياتنا أصبحت أكثر ارتباطًا بأجهزة تحمل تفاصيل كثيرة عنا، في وقت لا نعرف فيه دائمًا ما يحدث لهذه التفاصيل بعد مشاركتها.
* ربما لا يستمع هاتفك إلى كل كلمة تقولها، لكن نشاطك الرقمي قد يكشف الكثير عنك دون أن تنطق بكلمة واحدة، والسؤال الذي يستحق أن نفكر فيه ليس فقط: هل يتجسس جهازك عليك؟ بل: هل تعرف أنت ما الذي يعرفه عنك، ومن يستفيد من هذه المعرفة؟.

مقالات ذات صلة