لم تكن الرسالة التي أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، يوم الخميس الخامس عشر من أكتوبر، أنه بعث بها إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حدثاً عابراً في مسار حربٍ دخلت عامها الرابع. فالتوقيت وحده يكفي لقراءتها خطوةً محسوبة بعناية، جاءت بعد أسابيع من شدٍّ وجذب بلغ ذروته حين امتنعت واشنطن في سبتمبر عن منح البرهان تأشيرة دخول لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم أعقبه لقاءٌ جمعه بكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس في القاهرة مطلع أكتوبر، قبل أن يُطرح في مجلس النواب الأمريكي، في الثالث عشر من الشهر نفسه، مشروع قانون يربط أي شراكة اقتصادية مع السودان في الزراعة والتعدين بتقدّمٍ ملموس في حماية المدنيين وتحقيق الاستقرار السياسي.
في هذا السياق تحديداً ينبغي أن تُقرأ الرسالة لا بوصفها إعلان نوايا مجرداً، بل محاولة لإعادة ترتيب العلاقة مع إدارة تميل بطبعها إلى الصفقات المباشرة بين القادة أكثر مما تميل إلى مسارات البيروقراطية الدبلوماسية الطويلة.
*ماذا قالت الرسالة*
اكتفى السيد الرئيس البرهان علنا بتدوينة قصيرة على منصة إكس أكّد فيها التزام السودان بجهود السلام التي ترعاها الولايات المتحدة، واستعداد حكومته للعمل بنية صادقة مع جميع الأطراف من أجل سلام عادل ودائم يصون السيادة ووحدة التراب الوطني وكرامة الشعب. أما التفاصيل فقد نشرتها صحيفة السوداني نقلاً عن مضمون الرسالة الخطية من دون أن يصدر حتى الآن تأكيد رسمي لها وإن جاء ما نُشر منسجما تماما مع المواقف المعلنة للحكومة.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، قدّمت الرسالة السودان شريكا في المسعى الأمريكي لا طرفا رافضا له، واشترطت أن تكون أي هدنة أداة لحماية المدنيين لا وسيلة لتثبيت الوضع العسكري لقوات الدعم السريع وأن تتضمن انسحاب القوات من المناطق المدنية، ووقف إعادة التسليح ورقابة فعّالة على التنفيذ. وعدّت وقف الدعم الخارجي شرطا أساسياً لإنهاء الحرب داعية إلى معالجة مصادر السلاح والتمويل والمرتزقة بدلا من الاكتفاء بإدارة تداعيات النزاع. ثم ذهبت أبعد من ملف الحرب فاقترحت شراكة استراتيجية تشمل الأمن الإقليمي وأمن البحر الأحمر والاستثمار وإعادة الإعمار.
*الجديد في الشكل لا في الجوهر*
من يتأمل هذه البنود يجد أنها لا تحمل تحوّلاً جوهرياً في موقف الخرطوم. فشرط انسحاب القوات من المدن، ووقف الإمداد الخارجي ووحدة الجيش ورفض إضفاء الشرعية على السيطرة المسلحة كلها مواقف معروفة منذ أن طرحت اللجنة الرباعية خريطة طريقها في سبتمبر 2025، بهدنة إنسانية مدتها ثلاثة أشهر تعقبها مرحلة انتقالية من تسعة أشهر.
يومها قبلت قوات الدعم السريع الهدنة المقترحة فيما تحفّظ الجيش ووضع شروطه، و استمر القتال.
الجديد إذا ليس في المضمون بل في الصياغة والتموضع فالخرطوم تنتقل من خانة من يُطلب منه القبول إلى خانة من يقترح آليات التنفيذ وضماناته وتسعى إلى إعادة تعريف الأزمة أمام الإدارة الأمريكية ليست نزاعاً بين طرفين متكافئين يكفيه وقف لإطلاق النار بل قضية حماية مدنيين ومواجهة تدخلٍ خارجي وصون لمؤسسات الدولة. وهي فوق ذلك تخاطب ترامب باللغة التي يفهمها جيداً البحر الأحمر، المعادن، وفرص إعادة الإعمار.
*ما الذي يمكن أن تحققه الرسالة*
في تقديري، تملك الرسالة فرصة معقولة لتحقيق ثلاثة أهداف. أولها تحسين صورة الحكومة في واشنطن بحيث يصعب الاستمرار في تحميل الطرفين علي ما هو يشاع المسؤولية بالقدر نفسه وهو ما تجلّى حين قالت الخارجية الأمريكية في سبتمبر إن أيا من الجيش أو الدعم السريع لا يمثل سلطة شرعية ودستورية. وثانيها فتح قناة مباشرة مع البيت الأبيض تتجاوز جزئياً دوائر في الإدارة أبدت تشدداً أكبر تجاه الخرطوم وثالثها كسب الوقت وتخفيف الاندفاع نحو توسيع العقوبات أو فرض حظر أشمل على السلاح لا سيما أن روسيا والصين أبدتا داخل مجلس الأمن تحفظاً واضحاً على هذا الاتجاه.
*حدود ما يمكن أن تفعله*
غير أن للرسالة حدودا لا ينبغي التهوين منها فهي لن تمنح الحكومة اعترافا بالشرعية لم تمنحه إياها واشنطن حتى الآن إذ حرص بولس نفسه على التأكيد أن التعامل مع الحكومة السودانية لا يعني الاعتراف بها ولن تحسم الخلاف الجوهري حول تسلسل الخطوات فالأمريكيون يريدون الهدنة أولاً ثم التفاوض على الشروط بينما تريد الخرطوم الشروط أولاً ثم الهدنة ولم يتزحزح أي من الطرفين عن موقفه. كما يصعب أن تقنع واشنطن بتهميش طرف إقليمي عضوا في الرباعية تراه الخرطوم جزءا من المشكلة بينما تعدّه الإدارة الأمريكية شريكاً لا غنى عنه في المنطقة.
*الاختبار الحقيقي*
تبقى قيمة هذه الرسالة رهينة بما يليها لا بما ورد فيها. فإن صدر ردٌ علني من البيت الأبيض لا من المبعوث وحده فذلك مؤشر على أن الرسالة بلغت مقصدها. وإن أبدت الحكومة استعدادا لهدنة إنسانية محددة المدة ولو جزئية أو محصورة في مناطق بعينها، فسيكون ذلك أول دليل عملي على أن الخطاب الجديد يعكس تحولا حقيقيا لا مناورةً دبلوماسية. وفي المقابل، يظل الميدان في كردفان ودارفور العامل الأكثر حسماً فما دام كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لصالحه، فلن تصنع الرسائل وحدها سلاماً.
*الخلاصة*
أن رسالة السيد رئيس مجلس السيادة البرهان أداة ذكية لإدارة الضغط الأمريكي وإعادة فتح الأبواب المغلقة، أُحسن اختيار توقيتها ولغتها. لكنها، ما لم تتبعها خطوة ملموسة خلال الأسابيع المقبلة ستُقرأ في واشنطن على أنها إعادة تموضع لا أكثر والسودانيون الذين أنهكتهم الحرب لا يحتاجون إلى رسائل أحسن صياغة بقدر ما يحتاجون إلى قرار شجاع يضع حداً لمعاناتهم، ويحفظ في الوقت ذاته وحدة بلادهم ومؤسسات دولتهم.
*نزار خيري*
17 أكتوبر 2026



