*النضال بالتهريج ..!!* *الطاهر ساتي*

 

:: ومن المحن، أن تجد نفسك مكرهاً لشرح البديهيات، وتفنيد ترهات بعض حمقى المنصات.. هؤلاء الذين لم يروا في الوطن إلا شاشة ثرثرة، ولا في معاش الناس إلا ساحة للمزايدات، وكل هذا الضجيج يدفع ثمنه الغلابة وجعاً وجوعاً في البيوت الخاوية ومعسكرات النزوح..!!

:: بالأمس، انتقدنا هنا قرار إغلاق المعابر، وحذرنا من خطورته كطعنة في خاصرة اقتصادنا المنهك، وحبل مشنقة يلتف حول عنق المواطن المطحون.. فما كان من أحدهم، وهو يرتدي عباءة الفهم الزائف، إلا أن خرج علينا متهكماً بسؤال يقطر بلادة: “وماذا نستورد من مصر أصلاً؟ أليس مجرد إندومي؟”..!!

:: يا لبؤس المعرفة وعقم التنظير.. هذا المتكئ على أريكته الوثيرة في المهجر، يستحقر كيس “الإندومي” لأنه لا يعلم أن هذا الكيس الصغير بات وجبة رئيسية تسد رمق أطفال نازحين في بلد طحنته الحرب، وأصبح عزازه وأهله يترقبون صفوف التكايا للبقاء على قيد الحياة..!!

:: والمهرّج لا يعلم أن المليشيا الغادرة لم تجرّف المصانع والشركات فحسب، بل جرّفت “روح الإنتاج” في النفوس، وتركت خلفها مجتمعاً يتقاسم المآسي، ومدناً تناسل فيها السماسرة وتجار الأزمات على حساب الصُنّاع والزُرّاع.. وفي ظل هذا الخراب، يصبح التحريض على إغلاق شرايين الحياة خيانة..!!

:: ولأن الجهل يستدعي التعليم، فلا بأس أن يعلم هذا “الجهلول” ما تستورده أسواقنا من مصر.. نحن نستورد الدقيق ليخبز طعام الغلابة، والدواء لتضميد جراح مرضانا، ونستورد الزيوت، والحديد، ولبن الأطفال.. باختصار، نستورد تفاصيل البقاء التي عجزتم عن توفيرها بنضال التهريج..!!

:: ثم ندع الأرقام تصفع وجهك.. حجم الاستثمارات السودانية في مصر يقارب المائة مليون دولار، وتنشط هناك أكثر من 3300 شركة سودانية، وهذا ليس “إندومي”، هذا اقتصاد كامل.. وهناك مصانع وطنية نقلت خطوط إنتاجها وعلاماتها التجارية مجبرة، بعد أن هربت من جحيم الحرب وظلم (الجبايات)..!!

:: إغلاق المعابر ليس بطولة، بل هو خنق متعمد لشريان يهب الحياة لشعب يموت ببطء.. إن كان لكم من خصومة مع حكومة الخرطوم أو دولة مصر، فخاصموهم في دهاليز السياسة المحترفة، وبعيداً عن لقمة عيش الغلابة، فالجوع لا يعرف السياسة، والبطون الخاوية لا تشبعها الشعارات الجوفاء..!!

:: إغلاق الطرق والمعابر ليس مجرد فعل عابر، بل هو مرآة تعكس واقعاً أعمق، ولا عتب على من يفعلون ذلك من الغوغاء.. فالنفس البشرية، كما تخبرنا شواهد التاريخ، تنطوي على غريزة كامنة نحو العدوان، وهي غريزة لا تحتاج إلا إلى شرارة واحدة لتنفجر، شرارة تسمى “الفرصة المطلقة”..!!

:: وهذه الفرصة لا تمنحها الأقدار، بل تتبرع بها الدولة حين تفرط في هيبتها وتتنازل عن سلطتها، ويتقدم العبث ويملأ الفراغ..ونسأل السادة بمجلس السيادة: متى تفيق الدولة من غفوتها وترسم خطوطاً حمراء تحمي بها طرقها ومعابرها، أم أنها تنتظر أن تصبح الفوضى هي القانون البديل..؟؟

مقالات ذات صلة