في ١٤ أكتوبر الجاري بالقاهرة، غيّب الموت الصديق العزيز والإنسان الكبير جمال نكروما، بعد صراع مع المرض ومتاعب الحياة، جمال هو ابن الرئيس كوامي نكروما الذي تولى رئاسة وزراء غانا في الفترة ١٩٥٢-١٩٥٧، ورئاسة الجمهورية ١٩٥٧-١٩٦٦، وهو من أهم القادة الداعين لوحدة إفريقيا ورمزًا لهذه الدعوة ومنظرًا لها. والدة جمال هي السيدة فتحية نكروما من مصر. كان جمال نكروما وشقيقته السيدة سامية نكروما، القيادية السياسية البارزة في غانا، هما تجسيد للأحلام الكبيرة في توحيد الشعوب الإفريقية من القاهرة لرأس الرجاء الصالح، ومن أديس أبابا إلى أكرا.
في استطلاعات أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية مؤخرًا حول مكانة الزعماء الأفارقة في القرن الماضي، احتل كوامي نكروما المكانة الأولى كأهم شخصية. بغياب الدكتور جمال نكروما، انقطع حبل من الوصل والود والمعرفة بين القاهرة وأكرا، فجمال من أهم المتخصصين في الشؤون الإفريقية والدولية في الصحافة المصرية والأفريقية، وكان واسع الاطلاع في سنواته المهمة كمحرر في جريدة الأهرام الأسبوعية التي تصدر باللغة الإنجليزية، وقد درس في كلية الدراسات الشرقية بجامعة لندن، وتحصل منها على درجة الدكتوراه. جسّد الدكتور جمال المصالحة والتصالح بين إقليمين من أقاليم إفريقيا بكل ما في ذلك من إشارات عميقة وأبعاد فكرية وسياسية وثقافية بين مصر وإفريقيا، وانتمى لغانا ومصر امتدادًا لروح والده كوامي نكروما وحركات التحرر الوطني وأحلامها الكبيرة، وجمع اسم جمال عبد الناصر وكوامي نكروما.
كان جمال نكروما متابعًا لصيقًا لتحولات إفريقيا والمعاناة الثقيلة لشعوبها وتعسّر أحلامها في الوحدة والنهوض وانطفاء جذوة المشاريع الكبيرة، ومساحات الأرض اليباب والكولونيالية الجديدة.
جمال نكروما من المؤمنين بالأجيال الجديدة في تحقيق الحلم الإفريقي المشترك في السلام والخبز والتحرر والوحدة.
في مطلع التسعينات التقيت بجمال نكروما في القاهرة، وامتدت صداقتي معه حتى رحيله ومراسلاتنا على تطبيق الواتساب، وقد كان يفضل الحديث عبر مراسلات الفيسبوك، وغالبًا ما يترك لي رسائل بصوته ولهجته المصرية المميزة، متمنيًا لي يومًا أو مساءً سعيدًا ويختمه بلازمته (يومك قشطة).
إن لم تخني الذاكرة، فقد كان اللقاء الأول بجمال نكروما عن طريق الصديق الجميل والراحل طارق حسن، أحد المحررين البارعين بجريدة الأهرام، وكان طارق حسن على امتداد اللقاءات معه ممتعًا وعذب الحديث بحصيلة تجاربه في رام الله وغزة وحبنا واهتمامنا المشترك بالعراق وشعبها، فقد كانت أحاديثنا تمر عبر الفرات ودجلة،
(حَيّيتُ سفحَكِ عن بُعْدٍ فحَيِّيني
يا دجلةَ الخيرِ، يا أُمَّ البساتينِ
حييتُ سفحَك ظمآناً ألوذُ به
لوذَ الحمائمِ بين الماءِ والطينِ)
للجواهري العظيم.
لقد كنت من المحظوظين أن حظيت بمعرفة ومصادقة جمال نكروما على امتداد العقود الأربعة الماضية، فقد كان جمال نكروما إنسانًا متفردًا ذا رؤية ثاقبة حول عالمنا ومفارقاته والمظالم التي يشهدها، وكانت إفريقيا دومًا في دائرة اهتماماته العميقة، كيف لا وهو ابن الزعيم والداعية الأكبر لوحدة إفريقيا كوامي نكروما!
بعد ثورة ديسمبر قدمت لجمال نكروما دعوة لزيارة الخرطوم للاحتفال بمرور قرن على ميلاد كوامي نكروما، واتفقنا على زيارة غانا بعد أن يأتي هو وشقيقته سامية نكروما لزيارة الخرطوم لاستنشاق روح الثورة السودانية المقاتلة ودعم السودانيين التاريخي لحركات التحرر الوطني الإفريقي، وتناولت ذلك مع الصديق العزيز الراحل كمال الجزولي، والذي تحمس للفكرة أيما حماس، ولكن ذلك لم يتم وعوضًا عن ذلك استبيحت الخرطوم في حرب ١٥ أبريل، وبعد الحرب تحدثنا مرات عديدة مع جمال نكروما الذي كان مهتمًا بالتعرف على ديناميات الحرب وأسبابها وسبل الخروج منها وما يمكن أن يفعله لزيادة ودعم التضامن مع الشعب السوداني.
كان أسبوعًا طويلًا مليئًا بالشخوص والأحداث واللقاءات عند زيارة الدكتور جون قرنق دي مبيور التاريخية للقاهرة، وبدعوة رسمية من الرئيس المصري حسني مبارك، والتي امتدت من ٢٥ نوفمبر إلى ١ ديسمبر ١٩٩٧، وهي زيارته الأولى والتي جاءت متأخرة كخلافة الإمام علي في عبارة رائعة مستوحاة من البروفيسور عبد الله الطيب.
كان ذلك الأسبوع أسبوعًا لجون قرنق بامتياز، احتل فيه مكانة رفيعة في الإعلام المصري والدولي، وطرح أطروحات عميقة حول وحدة السودان وإفريقيا وحول حضارات وادي النيل القديمة والمساهمة القيمة للعالم السنغالي الشيخ أنتا ديوب، الذي تعد كتاباته عن حضارة وادي النيل بمثابة الإنجيل الإفريقي. التقى قرنق بالرئيس حسني مبارك وعمرو موسى ويوسف والي وعمر سليمان ومحسن النعمان وأسامة الباز وآخرين كثر، وقد قال الدكتور الباز لقرنق: “كيف فات عليّ أن لا ألتقي شخصًا رائعًا مثلك طوال السنوات الماضية؟”وأجابه قرنق: أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي. في ذلك الأسبوع الفريد حرك قرنق مسرح القاهرة مثل نجوم الفن والسينما.
التقى قرنق بالآلاف من السودانيين والسودانيات وأناس عاديين من الرصيف والهامش، وحرص على لقاء جمال نكروما، وقد كنت مسؤولًا عن ترتيب برنامجه وأولويات لقاءاته التي تمتد على مدار النهار وحتى الفجر، واتفقت معه أن اللقاءات التي ليس بإمكان التصرف فيها هي التي تأتي بطلب من المضيف في الحكومة المصرية، وكنت أرتب جدول الاجتماعات معه عند طاولة الإفطار أو قبل ذلك. وتحدثت مع قرنق عن لقاء جمال نكروما، وكان متحمسًا للقائه والتعرف عليه على المستوى الشخصي قبل المهني، وحينما حددت مواعيد لقائه مع جمال نكروما، كان لعدد من قادة الحركة الكبار قوائم بأسماء لشخصيات يودون أن تعطى لها الأولوية في لقاء قرنق، وذكرت لهم أن قرنق الذي كان جدوله مزدحمًا بالمواعيد، سيلتقي بجمال نكروما أولًا في ذلك اليوم، ولم يقتنعوا بذلك وذهبوا لمناقشة الدكتور جون قرنق، الذي ذكر لهم أن جمال نكروما لن ألتقيه كصحفي فحسب بل هو مناضل من أجل وحدة إفريقيا، وأنه يود التعرف عليه شخصيًا وهو ابن الزعيم كوامي نكروما، وقال: “إن لم ألتقِ بجمال نكروما فبمن ألتقي!” وامتد لقاؤه الأول مع جمال لنحو ساعتين في نقاش طويل عن السودان وغانا ومصر وإفريقيا وحركات التحرر الوطني، وظل يحرص على لقائه كلما أتى للقاهرة.
لقد كان جمال نكروما بذرة من كوامي نكروما وأحلام التحرر الوطني الإفريقي في تجاوز لمفارقات الإثنية والجغرافيا ومطبات التاريخ والتحيزات العنصرية والعمل من أجل توحيد إفريقيا وبلدان الجنوب. لقد كان منتميًا وملتزمًا عن وعي وإرادة تجاه إفريقيا والجنوب العالمي، وتميز بالثقافة العالية والمداومة والمتابعة اللصيقة لقضايا عالمنا، وغاب جمال نكروما في وقت نحن في أشد الحاجة إليه، ففي عالم اليوم الذي تجتاحه قضايا الجغرافيا السياسية، ونهب الموارد والتهميش الوطني والعالمي والتبعية وتفكيك الدول الوطنية وانزواء النظام العالمي القديم، وفي ظل تشكل نظام عالمي جديد، ولم ندرك بعد إذا ما كان الأفارقة والعرب فاعلين أم تابعين فيه؟ وهل سيأخذون موقعًا حقيقيًا أم هامشيًا؟ كلها أسئلة عميقة تحتاج لإجابات أعمق.
سلامٌ على جمال نكروما، وسلام على كوامي نكروما، وسلام على السيدة فتحية نكروما، وسلام على إفريقيا، وسلام على بلدان الجنوب العالمي، وسلام على الإنسانية جمعاء.
١٩ أكتوبر ٢٠٢٦




