تعاني مناطق التعدين بالولاية الشمالية، ومناطق التعدين في السودان بصفة عامة، من توقف شبه تام للعمل لأكثر من شهر، بسبب عدم توفر الوقود (الجازولين)، في أزمة تهدد أحد أهم القطاعات الاقتصادية التي تعوّل عليها الدولة في توفير الإيرادات والعملات الأجنبية، لا سيما في ظل الحرب التي تشهدها البلاد، والتي تدخل عامها الرابع.
كيف للدولة ألا تولي هذا القطاع الحيوي الاهتمام اللازم، وهو أحد أهم الشرايين الاقتصادية التي تمد البلاد بالعملات الصعبة، في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد السوداني وتتراجع فيه قدرة العديد من القطاعات الإنتاجية على العمل؟
وأين دور وزارة الطاقة، والشركة السودانية للموارد المعدنية، ووزارة المالية، إزاء ما يتعرض له قطاع التعدين من توقف وتعثر؟ ولماذا تُترك مناطق التعدين لمواجهة أزمة الوقود دون حلول واضحة، رغم الأهمية الاقتصادية الكبيرة لهذا القطاع؟
لقد أصبح قطاع التعدين، الذي يواجه أصلاً ارتفاعاً مرهقاً في تكاليف التشغيل، يعاني اليوم من توقف واسع بسبب انعدام الوقود، في ظل غياب المعالجات الفاعلة من الجهات المسؤولة، الأمر الذي يثير تساؤلات جدية حول مدى اهتمام الدولة باستمرار هذا النشاط الاقتصادي الحيوي.
وأمام تفاقم الأزمة، يحاول بعض المعدنين تعويض النقص في الوقود من خلال الحصول على الجازولين المصري، مستفيدين من قرب مناطق التعدين من الحدود المصرية. غير أن تشديد الإجراءات أمام دخول الوقود المصري يضيف مزيداً من الأعباء على العاملين في القطاع، خاصة أن الجازولين المتوفر محلياً، متى ما توفر، يُباع بأسعار أعلى، وفقاً لما يشير إليه العاملون في هذا المجال.
وهنا يبرز سؤال مهم: ما المبررات وراء تقييد دخول الوقود المصري، إذا كان ذلك يسهم في تفاقم أزمة الإمدادات وتعطيل الإنتاج؟ وهل توجد بدائل عملية تستطيع توفير احتياجات المعدنين بأسعار مناسبة وبكميات كافية؟
إن استمرار الأزمة يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة بشأن آليات استيراد الوقود وتوزيعه، ومدى كفاية الإمدادات المتاحة، والحاجة إلى مراجعة السياسات التي تحكم هذا القطاع. كما يستدعي توضيحاً من الجهات المختصة بشأن أسباب الأزمة والإجراءات التي تعتزم اتخاذها لمعالجتها، تفادياً لأي ممارسات احتكارية محتملة، دون الجزم بوجودها في غياب معلومات موثقة.
لقد أثبتت التجارب أن السياسات الاقتصادية التي لا تراعي ظروف القطاعات الإنتاجية قد تقود إلى تراجع النشاط الاقتصادي وتعطيل مصادر الدخل وفرص العمل. واليوم، يواجه قطاع الذهب، الذي يمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للسودان، خطر التعثر في وقت تحتاج فيه البلاد إلى كل مورد اقتصادي متاح لمواجهة تداعيات الحرب.
ولا تقتصر أهمية التعدين على ما يرفده به خزينة الدولة من إيرادات وعملات أجنبية، بل تمتد إلى توفير فرص العمل لملايين السودانيين، بصورة مباشرة وغير مباشرة، في ظل توقف قطاعات اقتصادية واسعة وتراجع فرص كسب العيش بسبب الحرب.
إن المطلوب من الدولة اليوم ليس الاكتفاء برصد الأزمة، وإنما التحرك العاجل لمعالجتها، عبر ضمان توفير الوقود لمناطق التعدين، ومراجعة سياسات الاستيراد والتوزيع والتسعير، والتنسيق بين وزارة الطاقة والشركة السودانية للموارد المعدنية ووزارة المالية، بما يضمن استمرارية الإنتاج ويحمي العاملين في هذا القطاع من مزيد من الخسائر.
إن خروج قطاع الذهب من دائرة الإنتاج ستكون له تداعيات خطيرة على الاقتصاد السوداني، الذي يعاني أصلاً من ضغوط الحرب وتراجع الموارد. ولذلك، فإن معالجة أزمة الوقود لم تعد مسألة تخص المعدنين وحدهم، بل أصبحت ضرورة اقتصادية وطنية تستوجب تدخلاً عاجلاً ومسؤولاً قبل أن تتفاقم الخسائر ويصعب تداركها.
فهل تتحرك الجهات المختصة لإنقاذ قطاع التعدين، أم تظل الأزمة قائمة حتى يفقد السودان أحد أهم شرايينه الاقتصادية في وقت هو أحوج ما يكون فيه إلى موارده؟




