*من مادورو إلى مروي…. مسرحية القوة والعدالة المختطفة*

في هذا العالم لا تُدار السياسة بالقوانين بل بالمروحيات ولا تُقاس السيادة بالدساتير بل بمدى سماح السماء للطائرات الأجنبية أن تعبر دون أن تعتذر ودون أن تُسأل ومن هنا لا يبدو تهديد اعتقال رئيس دولة نكتة بل بروفة علنية على مسرح القوة حيث يقف القانون الدولي خلف الستار يضع مساحيق الخجل وينتظر انتهاء العرض دون أن يتدخل ترامب لم يكن خارج النص حين تحدث عن اعتقال رئيس دولة بل كان يقرأ من كتيب الإمبراطورية الصفحة الأولى العنوان واضح أمريكا تقرر والبقية تشرح وتبرر وتبكي عند اللزوم وهنا تدخل قوات دلتا لا كقوة عسكرية بل كفلسفة حكم كيد طويلة تمتد حيث يسمح القرار السياسي وتتراجع حيث يبدأ الإحراج الأخلاقي دلتا لا تتحرك بالخرائط بل بالضوء الأخضر ولا تهبط في المطارات بل في الفراغات السيادية ولا تسأل من المجرم بل من المزعج ومن يصرخ كثيرًا باسم السيادة يصبح فجأة تهديدًا للأمن العالمي ومن يصمت على المجازر يصبح شريكًا في الاستقرار
مادورو ليس رجلًا بل علامة استفهام كبيرة وضعت أمريكا تحتها خطًا أحمر الرجل لم يسرق وحده ولم يقتل وحده لكنه قرر أن يقول لا وهنا تبدأ الجريمة الحقيقية السيادة في قاموس الإمبراطورية فعل وقح ومن يطالب بها يُعاقب اقتصاديًا ثم إعلاميًا ثم أمنيًا وحين نصل إلى مرحلة الطائرات التي لا نعرف من أين جاءت ولا كيف دخلت ولا لماذا خرجت نبدأ فجأة في طرح الأسئلة الوطنية المتأخرة أين كانت الدفاعات ومن أغلق الرادارات ومن قرر أن السماء ليست شأنًا سياديًا وهنا تظهر الخيانة الداخلية لا كاتهام بل كقاعدة ثابتة لا عملية اختراق بلا يد من الداخل ولا اعتقال بلا صمت رسمي ولا سيادة تُكسر دون توقيع غير مرئي من غرفة القرار
لكن السخرية تبلغ ذروتها حين نغادر كاراكاس ونتجه شرقًا حيث تضيع العدالة فجأة وتصاب البوصلة الأمريكية بارتباك حاد هل تزورقوات دلتا السودان سؤال يبدو ساخرًا لكنه منطقي في عالم يقتحم العواصم بلا إذن ويتحول فجأة إلى راهب قانوني عند ضفاف النيل البشير المطلوب دوليًا يصبح شخصية محلية ووداد تتحول من رمز فساد إلى زوجة سابقة بلا ذاكرة والسماء فوق مروي تصبح منطقة عمياء لا تمر بها المروحيات ولا تسمع فيها أجنحة العدالة القانون الدولي هنا يتذكر فجأة ميثاق الأمم المتحدة ويتحدث عن السيادة وعدم التدخل ويطلب من الجميع احترام القضاء الوطني أي قضاء وأي وطن وأي عدالة هذه التي تصاب بالشلل الجغرافي وتتحرك فقط حيث لا توجد حلفاء
أمريكا لا تعتقل الرؤساء في السجون هي أذكى من ذلك هي تعتقل الدول في المصارف وتعتقل الشعوب في التضخم وتعتقل القرار في العقوبات وتترك الزنازين للصور فقط ومن لا يفهم هذه اللعبة يظل ينتظر محكمة دولية ستأتي ذات صباح لتطرق باب الطغاة بينما الحقيقة أن العدالة لا تركب الطائرات العسكرية ولا تدخل المدن إلا بإذن المصالح محكمة الجنايات تملك نظرًا حادًا حين تنظر جنوبًا وتصاب بالعمى حين ترفع رأسها قليلًا الغرب لا يحاسب أصدقاءه بل يعيد تدويرهم ولا يعتقل خصومه بل يصنع منهم عبرة إعلامية
وفي هذه الكوميديا السوداء يصبح السؤال ليس لماذا يُعتقل مادورو بل لماذا لا يُسأل البشير ولماذا لا تُزعج وداد أحدًا ولماذا تتحول بعض الجرائم إلى ملفات ثقيلة وأخرى إلى قصص محلية منسية العدالة هنا ليست ميزانًا بل جهاز ملاحة ترى حيث يسمح القرار وتغلق الشاشة حيث تبدأ الفضيحة السيادة ليست حقًا بل اختبار طاعة ومن ينجح فيه يُترك ومن يفشل يُستهدف وهكذا نكتشف أن العالم لا يُدار بالقانون بل بالنفاق وأن الخيانة ليست حدثًا طارئًا بل شرطًا أساسيًا لكل اختراق وأن الصمت الدولي ليس عجزًا بل موافقة غير مكتوبة
وفي النهاية لا يبقى من المشهد سوى مسرحية كبرى الجنود فيها قضاة والطائرات مذكرات توقيف والرؤساء أهداف محتملة والشعوب جمهور يدفع ثمن التذكرة من خبزه ودمه ومن مادورو إلى مروي الرسالة واحدة من يملك القوة يملك حق الاتهام ومن لا يملك إلا صوته يُترك ليكتب أعمدة ساخرة عن عدالة لا تأتي وسيادة تُنتهك وقانون دولي يصلح فقط للزينة وللرذيلة وفي هذا العالم إن لم تكن محميًا بالمصالح فستُتهم وإن لم تكن متهمًا فستُنسى وتلك هي السخرية الأعظم.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole