—
ما يجري للسودانيين في مصر لم يعد يُحتمل ولا يمكن تسويغه ولا تغطيته بلغة الأمن أو القانون أو التنظيم ما نراه هو إذلال كامل الأركان جريمة أخلاقية تُرتكب علنًا وبلا خجل وبلا خوف من محاسبة فيديوهات موثقة بالصوت والصورة لرجال سودانيين كبار في السن شيوخ بيضت رؤوسهم من العمر والحرب تُلوى أذرعهم وتُجر أجسادهم في الشوارع كما تُسحب الخراف بلا احترام لإنسان ولا لسن ولا لمرض هذه ليست كشّات ولا حملات أمنية هذه مشاهد سحل وهذه المشاهد لا تُنتجها دولة تحترم الإنسان بل سلطة مطمئنة أن الضحية ضعيف وأن الضعيف سوداني وأن السوداني في هذا الزمن بلا حماية وبلا دولة وبلا صوت مسموع
السوداني الذي يُهان في الشارع المصري لم يأتِ مجرمًا ولا متسللًا ولا خطرًا أمنيًا جاء هاربًا من مجازر واغتصاب وحرق قرى وذبح مدنيين جاء فارًا من حرب إبادة حقيقية لكنه وجد نفسه في بلد آخر يُطلب منه أن يدفع ثمن نجاته من الموت إذلالًا وكأن كرامته مقابل الإقامة وكأن حياته لا تساوي أكثر من توقيع ضابط السؤال الذي يفضح هذا القبح كله لو حدث أي اضطراب في مصر لو ضاقت الأحوال بالمصري لو خرج الناس إلى الشارع هل كان الشعب المصري سيقبل أن يُسحل آباؤه بهذه الطريقة هل كان سيرضى أن تُجر أمهاته أو يُهان شيوخه أمام الكاميرات هل كان سيسكت لو رُبط رجل مصري سبعيني كما يُربط المجرمون الإجابة محسومة لا ولا شعب في العالم يقبل بذلك إذن لماذا يُقبل حين يكون الضحية سوداني
الأخطر من عنف السلطة هو أن العداء لم يعد محصورًا في الأجهزة بل تسلل إلى الشارع للأسف كثيرون من المصريين نسوا العلاقة التاريخية بين الشعبين نسوا النيل والعيش والدم المشترك نسوا أن السودان لم يكن يومًا عدوًا وسمحوا لأنفسهم بالشتائم والعبارات المسيئة والتحريض وكأن السوداني صار عبئًا أو دخيلًا أو سببًا لكل الأزمات وهنا تظهر المفارقة الفاضحة التي لا يمكن إنكارها الفلسطيني في مصر لا يُعامل هكذا يُرحب به تُحترم قضيته لا يُسحل في الشوارع ولا تُشن عليه حملات كراهية علنية ولا يُسب شعبه وهذا ليس تقليلًا من عدالة القضية الفلسطينية بل فضح لازدواجية المعايير كيف تُصان كرامة لاجئ وتُداس كرامة لاجئ آخر كيف تُعترف قضية ويُمحى شعب كامل من الاعتبار الأخلاقي كأن الإنسانية تُوزع بالانتقاء
هذه الازدواجية لم تأتِ من فراغ بل صُنعت بخطاب رسمي وصمت مؤسسي وغياب واضح لأي مساءلة فتح الباب أمام الشارع ليبرر الإهانة ويطبعها الكشّات لا تطال الجميع لا تقترب من أصحاب المال ولا المستثمرين ولا المحميين بل تُوجَّه دائمًا إلى الفقراء العمال بائعات الأكل الطلاب كبار السن أي من لا يملكون إلا أجسادهم المنهكة هذا ليس أمنًا هذا تنمّر دولة على ضحية هذا ليس قانونًا هذا عنصرية مقنّعة بزي رسمي
والأغرب والأخطر والأكثر فجاجة هو صمت الحكومة المصرية نفسها صمت كامل لا بيانات لا توضيح لا اعتذار لا إدانة لا حتى محاولة لاحتواء الغضب أو وقف الإذلال كأن ما يحدث لا يعنيها وكأن السوداني ليس إنسانًا ولا جارًا ولا لاجئًا هذا الصمت ليس بريئًا بل رسالة واضحة لكل من يمارس الإهانة افعلوا ما شئتم لا حساب ولا تكلفة سياسية هذا الصمت هو الذي يعطي الشرعية للسحل وهو الذي يحوّل الإذلال من تجاوز إلى سياسة
ولا تقل الفضيحة في الجانب السوداني أين السفارة أين ممثلو الدولة الذين يفترض أنهم خُلقوا لحماية مواطنيهم لا لحراسة الصمت أين السفارة من رجال يُسحلون في الشوارع من كرامة تُداس علنًا هل تحولت إلى مكتب أختام وانتظار تعليمات هل المواطن السوداني لا يستحق حتى بيان شجب بارد الصمت هنا ليس حيادًا الصمت خيانة الصمت تواطؤ لأن من يرى شعبه يُهان ويصمت يكون شريكًا في الإهانة
ثم أين وزارة الخارجية أين الدولة أين الكرامة الوطنية الخارجية التي تتحرك حين تُمس المصالح لماذا تشلّ عندما يُسحل المواطن لماذا تختفي عندما تُكسر كرامة السوداني في الشارع لماذا لا استدعاء ولا احتجاج ولا موقف واضح هل لأن السوداني صار عبئًا حتى على دولته هل لأن الحرب جعلته مواطنًا فائضًا عن الحاجة وزارة الخارجية التي لا تدافع عن مواطنيها خارج الحدود لا تستحق اسمها بل تستحق محاكمة أخلاقية أمام التاريخ
الرسالة التي تُبث اليوم لكل سلطة ولكل شارع ولكل شرطي ولكل عنصري واضحة وخطيرة السوداني يمكن إذلاله بلا ثمن يمكن شتمه بلا حساب يمكن كسر كرامته علنًا دون خوف وهذه أخطر نتيجة يمكن أن نصل إليها لأن الإذلال حين يُطبع يتحول إلى قاعدة وحين يُبرر يصبح سياسة وحين يصمت عنه الجميع يتمدد ويترسخ
هذه ليست قضية إقامة ولا كشّة ولا تنظيم وجود هذه قضية كرامة شعب كامل كرامة وطن يُسحل أبناؤه في الشوارع من يسمح بإذلال ضيفه اليوم سيتجرأ غدًا على إذلال شعبه ومن يبرر السحل باسم الأمن يفتح بابًا لن يُغلق الكرامة لا جنسية لها والإنسان لا يُقاس بجوازه ولا بضعفه ومن يهين الإنسان أيًا كان يعلن سقوطه الأخلاقي أمام العالم والتاريخ لا ينسى ولا يرحم ولا يمحو الفيديوهات.




