تُعَدّ المركزيّة الغربيّة إحدى أخطر الظواهر في العصر الحديث، وفيها وقع الاستئثار بأحداث التاريخ الإنسانيّ، وإعادة تركيبها بما جَعَلَ الحواضرَ الغربيّة تبسط نفوذَها على معظم أرجاء العالَم، وفي البدء كانت وسيلتها الحملات الاستعماريّة التي قامت بها الإمبراطوريّات الكبرى منذ بداية القرن السادس عشر، وتقاسمت العالَم في ما بينها، وبانحسار الظاهرة الاستعماريّة بعد منتصف القرن العشرين، حلّت محلّها أنساقٌ متعدّدة من الهيْمنة، ما برحَ نفوذها يتحكّم في مصير العالَم، فإن تفلّت بعضه من سيطرتها المباشرة، فقد وقع ما تبقّى منه في التبعيّة.
ويتعيّن إعادة النّظر في التركة الفكريّة الفنيّة والأدبيّة ونزْعها من إطار الهيْمَنة الغربيّة على المعايير والأذواق والأحكام؛ فالرضوخ والامتثال لا يثمران إلّا مسوخات لا قيمة لها، لأنّها تتبارى بمقدار مُحاكاتها، لا بمقدار ما ينبغي أن تكون عليه. إنّ تفكيك آثار المركزيّة الغربيّة هو خروجٌ على قيودٍ مفروضة بالقوّة من الخارج، وتجاهل أعراف داخليّة طوّرتها الأُمم أو ابتكرتها، على أنّ إعادة النّظر لا بدّ لها أن تراعي شرطَيْن اعتباريَّيْن: تجنُّب نزعة الثأر والانتقام والإنكار من جهة، وتحاشي النرجسيّة والانغلاق على الذّات والانقطاع عن الآخر من جهةٍ أخرى.
وفي كلّ ما له صلة بتلك المسألة، يقتضي التفريق بين الاستعمار (colonialism) والاستعماريّة (coloniality)؛ فالاستعمار ظاهرة انتفى شرطُها التاريخي، إمّا بانقضاء عهدها فعليّاً أو بتحوّلها إلى استيطانٍ كما هو الحال في الولايات المتّحدة وكندا وأستراليا وفلسطين.
أمّا الاستعماريّة فحال ثقافيّة وسياسيّة واقتصاديّة اختلقها الاستعمار، وأبقى الأُمم رهينةً لها بنظامِ التبعيّة النّاتج عن الهيْمنة، وغاية ما ترجوه الأُمم هو التخلّص من آثار تلك الحالة بعدما تخلّصت من الاستعمار. وبقدر تعلُّق الأمر بتصفية الحالة الاستعماريّة من الناحية الثقافيّة، فتتمثّل بإعادة النّظر في الأشكال والمعايير والمناهج التي خلّفتها التجربةُ الاستعماريّة وأشاعَتْها الحالةُ الاستعماريّة.
بسطتِ المركزيّةُ الغربيّة سيطرتَها على أشكالِ التعبير الفكريّ الفنّيّ والأدبيّ، وحالَ ذلك دون نموّ الأشكال المرتبطة بالأُمم، وصارتِ الثقافةُ تَفتخر بمُحاكاة النماذج الغربيّة، وليس في ابتكار نماذج مختلفة عنها. وآنَ أوانُ النّظر في تلك الظاهرة، والعمل على تفكيك هيْمَنتها التي صَرفت أُمماً كاملةً عن هويّاتها، ومأثوراتها، ويبدأ ذلك بهزّ قواعدها، أوّلاً، بالوعي بنسبيّة القيَم الجماليّة التي وَقَعَ تعميمها، وبالمعايير التي جُعلت أساساً في تقييم الأعمال الفنيّة والأدبيّة والفكريّة، وثانياً، بإعادة الاعتبار للأشكال التعبيريّة المهمَّشة، باعتبار ما تمثّله من أنماطٍ بديلة عن الأنماط الغربيّة في تمثيل الذّات والواقع. إنّ تفكيك تبعات المركزيّة الغربيّة لا يَعني إنكار مُنجزها، بل تجاوزها إلى إقامة حوارٍ متوازن مع الثقافة الغربيّة يُعيد توزيع الاعتراف الثقافي بمظاهر التفكير والتعبير الأخرى على أُسسٍ أكثر عدالة وشمولاً. ولا يُمكن الإسهام في إبطال تلك الهيْمنة، أو التخفيف من غلوائها، من دون استيعابها، ومعرفتها.
ولعلّ من أعجب ظواهر التاريخ ارتباط المركزيّة الغربيّة بالحداثة الغربيّة، الحداثة التي بدلَ أن تحول دونَ ظهور تلك النّزعة، فقد دَعَمَتْها، وعمَّمَتْها. وبحسب فرضيّة الحداثة – التي هي رواية الغرب لتجربته – فقد ادّعت بالمُساواة، وتحقيق العدالة، والإعلاء من قيمة الفرد، فتلك هي فرضيّتُها. والحال ليست كذلك، فقد أَسبغتِ الحداثةُ على التبايُن بين الذّات والآخر ثنائيّةَ التمدّن مقابلَ التخلُّف، والرفعة إزاء الدونيّة، واصطنعتْ فوارق بين الأُمم، والثقافات، والأديان، والحضارات.
إنّ القول برفعة الثقافة الغربيّة على ما سواها من الثقافات الإنسانيّة قولٌ مردود أشاعته السرديّة الاستعماريّة بهدف ترسيخ الهيْمَنة على العالَم. وبإزاء خطرِ التبعيّة الذي حملته الحداثةُ الغربيّةُ، أمسى من الضروري التفكير بحداثةٍ تقوم على التكافؤ، والشراكة، وليس على التمايُز والتفاضُل، حداثة تَضع الثقافاتِ في منطقةٍ مُشترَكة مُتفاعلة، وليس حجبُها وراء أسوارٍ تَمنع الحوارَ في ما بينها. حداثة تعترف بالأغيار، وتَراهم ضرورةً من ضرورات التنوُّع الإنساني والثقافي. وكانت المركزيّةُ الغربيّة وسيلةً لبسْطِ هَيْمَنةِ الغرب على العالَم. وقد فَرضت على الأُمم الأخْذَ بمسار التقدّم الغربي، واعتبَرت ما سواه تخبُّطاً يُبعِد الأُمم عن الحضور في قلب التاريخ الحديث.
نَتج عن المركزيّة الغربيّة سيطرةٌ على طرائق التفكير والتعبير، فأصبح الغربُ مركزاً للمعرفة، والخبرة، والدراية، والذوق، واعتبار إنتاجاته الفنيّة والفكريّة والأدبيّة نماذج يُقاس عليها صواب أو خطأ سائر النّتاجات الثقافيّة للأُمم الأخرى. حدثَ ذلك في سياق توسُّعٍ جَعَلَ من الاستشراق، والتعليم، والترجمة، والمناهج، ومُجمل ما يَندرج ضمن العلوم الإنسانيّة والعلوم الاجتماعيّة أدوات لنقْل المفاهيم الغربيّة، وتعميمها على مُجتمعاتٍ غير غربيّة، وغالباً ما تمّ ذلك من موقعِ الشعور بالتفوّق لكلّ ما هو غربي، ودونيّة لكلّ ما هو خارج مَدار الغرب، والنظر إليه بوصفه مأثورات محليّة لا ترقى إلى مصافّ العالميّة، فجرى تهميش السرود الشفويّة، والأشعار الشعبيّة، والشعائر الطقسيّة، والأزياء التقليديّة، واللّغات القوميّة، وغيرها من الأشكال والرموز التي لا تستجيب لمقاييس الحداثة الغربيّة، ولكي يَقع الاعتراف بها يتعيّن عليها مُحاكاة فنونها وآدابها.
ومع ما نَتج عن ذلك من ضَررٍ بالغ، بدأت بعض الأُمم تقاوم ذلك المحو المنهجي، إمّا بإعادة الاعتبار لأنماطٍ أصيلة من الأداء والسرد، وإمّا بتهجين الأشكال الدخيلة، وتكييفها بما يُناسب حاجاتها من حيث لا يُنظر إلى الاستعارة الثقافيّة بوصفها استسلاماً، بل أحياناً كفعلِ مقاومة يُعيد تعريف الهويّة. فهي تُقاوم النماذج التعبيريّة الدخيلة عليها، ليس برفْضِها، إنّما بإعادة تأويلِها. وتُعبِّر بشكل غير مباشر عن الممانعة، فهي أداة لتجديد الهويّة باستدعاء مكوّناتها الحيّة.
رؤية هيغل التي قسَّمت العاَلم
والأخطر من ذلك كلّه أنّ المركزيّة الغربيّة انتزعت شرعيّة الهيْمنة بكتابةٍ جَعلت من الغرب مدارَ التاريخ الكونيّ، وكلّ ما عداه أطراف لا قيمة لها، بناءً على فرضيّة زَعمت أنّ الأُمم الأخرى لم تَعرف الكتابة التاريخيّة، لأنّه ليس لها تاريخ، وليس لها تجارب، ومن ثمّ فليس لديها ما يُشكّل قوام هويّتها، وقد ترعْرَع مفهومُ “أُمم بلا تاريخ” في إطار الحركتَيْن الاستعماريّة والاستيطانيّة اللّتَيْن أَحكمتا سيطرتهما على العالَم. ومن أجل بسْط الهيْمَنة، أَشاعت تلك الكتابة مغالطةً فحواها أنّ الأُمم في ما وراء الغرب، هي بلا تاريخ، وأنّها أدنى من تلك التي لديها تاريخ مكتوب؛ وكثيراً ما وقعتْ إباداتٌ لتلك الأُمم، وتمّت السيطرة عليها، لأنّها دون ما ينبغي أن يكون عليه الجنس البشري، بحسب المنظور الغربي، كما هو حال الأقوام الأصليّة في أميركا وأستراليا وكثير من أرجاء أفريقيا وآسيا التي وقع تدمير مقوّمات الحياة الطبيعيّة فيها، ما أدّى إلى هلاكِها أو استعبادِها.
ويُعَدّ هيغل أعظم النّاطقين بتلك الرؤية في مفهومه للتاريخ، فقد أدّت به رؤيته إلى تقسيم العالَم وفق نظريّة التفاوُت التي حَبستِ الأُمم غير الغربيّة وراء أسوار الجهل، بذريعة عدم معرفة الكتابة التاريخيّة، أي عدم معرفتها بالمفهوم الغربي لها؛ والحال، فالجهل بالكتابة التاريخيّة، أي بتدوين تلك الأُمم لتاريخها، لا يُعطي الحقّ لأحد بوصمها بالدونيّة؛ ففضلاً عن جهل الإدارات الاستعماريّة بلغاتِ الأُمم المُستعمَرة، فإنّ الذاكرة اضْطلعَت بدَورٍ يُماثل دَور الكتابة في حفْظ هويّات تلك الأُمم، وتَجلّت مفاعيل الذاكرة بالأعراف السائدة، التي صانت هويّاتها عَبْر الأزمان، وانتقلت عَبْرَ الأجيال حاملةً حيّة للوقائع أكثر من التاريخ الذي هو وسيلة تقييد لتلك الوقائع.
تَحفر الكتابة التاريخيّة قبراً للأحداث ثمّ تطمرها فيه، وتطلب إعادة حفره كلّما اقتضى الأمر. أمّا الذاكرة فتحمل الأحداث بجملة من الأعراف بدوام وجود تلك الأُمم، وتُجري عليه تجديداً وإعادة تأويل، ما دامت على قيد الوجود، فتكون الذاكرة الجماعيّة أنفع في صون هويّات الأُمم من الكتابة التي غالباً ما تكون مُمارَسةً فرديّة. وعدم معرفة بعض الأمم للكتابة، لا يعني عدم وجود تاريخ لها، إنّما تفتقر إلى وسيلة تقييد ذلك التاريخ بالمعايير الغربيّة للتدوين التاريخي، فهي تتداول مأثوراتها بالأعراف والطقوس، وتختزنه بالذاكرة بطريقة مَرنة ومتجدّدة.
ولعلّ ذلك يكون أكثر فائدة في حال تلك الأُمم، لأنّ هويّاتها تتعرّض للغربلة عَبْرَ حقب التاريخ من دون عوائق قد تُصبح قيوداً صارمة، فإنّها تَختلف عن تاريخ الذي يؤرّشِف الوقائع بمدوّناتٍ مدرسيّة تَمتثل لشروط المؤرِّخين، وميولهم، وتحيّزاتهم، ومصالحهم، وذلك يختلف عن الذاكرة التي هي استخلاصٌ جماعي حيّ للأحداث. وبصرف النّظر عن المفاضلة بين وظيفتَيْ التاريخ والذاكرة في تأييد وقوع الأحداث أو تحريفها، فالذاكرة تَنفتح على السياقات الثقافيّة، وتَستوعب ما يَطرأ عليها من تغييرات، وتتخلّص ممّا لا تراه نافعاً لها، فتكون على نقيض الكتابة التاريخيّة التي غايتها تقييد صورة تلك الأحداث في الزمان والمكان.
انتهى هيغل في كتابته التاريخيّة إلى تقسيمٍ مريع لسكّان العالَم قوامه مجتمعات تاريخيّة تَعي ذاتها، ومُجتمعات غير تاريخيّة لا تَعرف ذاتها، وأَطلق العنان للأولى لكي تتولّى تمدين الثانية باستعمارها، وتلاه ماركس الذي أيَّد الاحتلالَ البريطاني للهند، وإنجلز الذي أيَّد الاحتلال الفرنسي للجزائر، وعموم المؤرّخين الغربيّين أيّدوا حتّى الإبادات الجماعيّة للأمم الأصليّة في الأميركيّتَيْن بذريعة إعمار بلاد لا يعرف أهلُها قيمتَها، وبلغَ عددُ الضحايا في حدّه الأدنى أكثر من مئة مليون ضحيّة خلال قرنَيْن من الزمان، وكان هيغل وماركس على رأس قائمة المؤيّدين للاستيطان الأبيض في أميركا وغيرها، وعدّوا ذلك ظفراً للحتميّة التاريخيّة، ومحواً للأُمم التي تُعيق مسار التاريخ، فالتخلّص منها أوْلى من الإبقاء عليها عائقاً في وجه الاستيطان الأبيض؛ وإنّما التاريخ الأميركي الآن هو تاريخ استيطان لا تاريخ إنسان.
والحال، فالمجتمعات التاريخيّة واللّاتاريخيّة عند هيغل وماركس وغيرهما من نتاج السرديّة الاستعماريّة، ورافعتها المركزيّة الغربيّة، فبوصف الأولى تاريخيّة، فهي أعلى مقاماً في الخلق، والمُعتقد، والقيَم من سواها، ولها الحقّ في غزو الثانية غير التاريخيّة، التي وُصمت بالمتوحّشة، والبهيميّة.. وعلى ذلك المنوال من التفاضُل أمسى التاريخُ العالَمي غزْواً متواصلاً ذريعته انتشال الأُمم البدائيّة من أوحال ما قَبل التاريخ، والارتفاع بها درجةً أعلى بحيث تحقن دماء التمدُّن في أوصالها بالعنف الذي مارسته الأُمم المتمدّنة التي ميّزها التاريخ عن سواها من الأُمم الأخرى، أو بإبادتها إن تعذّر ذلك. وهو منوال التوسّع الاستعماريّ للإمبراطوريّات الغربيّة إلى قارّات العالَم بأجمعها.
*باحث وناقد من العراق




