*أزمة المشتقات البترولية في السودان
بين تراجع الطلب وهشاشة الإمدادات*
زيادة أسعار الوقود:* بين مبررات الوزير. وهموم المواطن
ارتفاع أسعار الوقود… هل تكفي التبريرات أم نحتاج إلى حلول؟
الدوحة حسن* ابوعرفات مجلة *حواس
أثار حديث وزير الطاقة لصحيفة “الكرامة” حول أسباب زيادة أسعار المشتقات النفطية نقاشًا واسعًا في الشارع السوداني، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يواجهها المواطن. فقد أرجع الوزير الزيادات الأخيرة في الأسعار إلى تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على سلاسل الإمداد العالمية وتوفر المواد البترولية، مؤكدًا أن الوزارة اتخذت تدابير لضمان استمرار الإمدادات ومنع حدوث فجوة في السوق.
ورغم أهمية هذا التوضيح، فإن الرأي العام ينتظر من الحكومة ما هو أبعد من مجرد تفسير للأسباب؛ إذ يتطلع المواطنون إلى سياسات واضحة تعالج جذور المشكلة وتخفف من آثارها المعيشية.
شفافية غائبة في تسعير الوقود
من القضايا التي تثير تساؤلات واسعة لدى المواطنين غياب المعلومات التفصيلية حول آلية تحديد أسعار الوقود. فالمواطن لا يعرف بدقة كيف يتم احتساب السعر النهائي للمشتقات البترولية، ولا حجم تأثير عناصر مثل:
• تكلفة الاستيراد
• تكاليف النقل والتخزين
• الرسوم والضرائب الحكومية
• هوامش أرباح الشركات
إن نشر بيانات دورية وشفافة تشرح هذه المعادلة من شأنه أن يعزز الثقة بين الحكومة والمجتمع، ويساعد على فهم أسباب التغيرات في الأسعار بدلاً من ترك المجال للتكهنات.
هدوء السوق الحالي… استقرار مؤقت لا أكثر
يرى أحد الخبراء الاقتصاديين – وهو من المتابعين لقطاع الطاقة – أن سوق المشتقات البترولية في السودان يشهد حالياً حالة من الهدوء النسبي، إلا أن هذا الهدوء لا يعكس استقرارًا حقيقيًا بقدر ما يعكس تراجعًا في الطلب نتيجة تباطؤ النشاط الاقتصادي وغياب أعداد كبيرة من السكان.
فالقطاعات الرئيسية المستهلكة للوقود مثل:
• الصناعة
• الزراعة
• النقل
تعمل اليوم بأقل من طاقتها الإنتاجية، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على المنتجات البترولية بشكل ملحوظ.
لكن هذا الوضع قد يكون مؤقتًا؛ فمع عودة المواطنين تدريجيًا واستئناف النشاط الاقتصادي، من المتوقع أن يرتفع الطلب على الوقود بشكل كبير، خاصة في قطاعي النقل والكهرباء، وهما من أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة. وعندها قد تظهر بوضوح هشاشة منظومة الإمداد الحالية.
من إدارة الدولة إلى هيمنة الاستيراد
تكمن المشكلة الجوهرية في التحول الذي طرأ على إدارة هذا القطاع الحيوي، بعد أن اتجهت الدولة إلى ترك استيراد المشتقات البترولية للقطاع الخاص.
ونتيجة لهذا التحول، فقدت الحكومة إلى حد كبير القدرة على:
• التحكم في الأسعار
• ضمان استقرار الإمدادات
• إدارة المخزون الاستراتيجي
وفي ظل هذا التوجه، أصبح السودان يعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتلبية احتياجاته من الوقود، خاصة بعد تراجع إنتاج النفط المحلي وتوقف أو تضرر البنية التحتية للتكرير.
شركات بلا خبرة كافية
يزداد القلق عندما ننظر إلى طبيعة الشركات التي تعمل حاليًا في مجال استيراد وتوزيع المشتقات البترولية. فالمعايير المهنية والفنية التي يفترض أن تحكم اختيار هذه الشركات لا تبدو مطبقة بالقدر الكافي.
فبعض الجهات العاملة في هذا القطاع:
• لا تمتلك مرافق تخزين كافية
• تفتقر إلى الخبرة الفنية في إدارة المواد البترولية
• لا تتضح قدراتها المالية بشكل كافٍ
وهذا يثير تساؤلات جدية حول مدى قدرتها على إدارة قطاع بهذه الحساسية والأهمية للاقتصاد الوطني
غياب المخزون الاستراتيجي
في الدول التي تدرك أهمية أمن الطاقة، تعمل الحكومات على بناء مخزون استراتيجي من الوقود يكفي لأسابيع أو حتى أشهر، تحسبًا لأي اضطرابات في السوق العالمية أو سلاسل الإمداد.
أما في السودان، فيبدو أن إدارة هذا الملف تسير وفق منطق “رزق اليوم باليوم”، دون وجود احتياطي استراتيجي حقيقي يمكن أن يضمن استقرار الإمدادات في حال حدوث أزمات مفاجئة.
مفارقة البنية التحتية المعطلة
المفارقة اللافتة أن الدولة ما تزال تمتلك جزءًا مهمًا من البنية التحتية لقطاع النفط، بما في ذلك:
• المصافي
• خطوط النقل
• خزانات التخزين
• الكوادر الفنية المؤهلة
ومع ذلك، فقد تراجع دور الدولة المباشر في إدارة الإمدادات، تاركة المهمة لشركات وتجار قد لا يمتلك بعضهم الخبرة الكافية في هذا المجال المعقد.
أزمة إدارة قبل أن تكون أزمة وقود
إن أزمة المشتقات البترولية في السودان ليست مجرد مشكلة إمدادات أو أسعار، بل هي في جوهرها أزمة إدارة وسياسات.
فترك قطاع استراتيجي بهذه الأهمية لقوى السوق وحدها دون رقابة صارمة أو تخطيط استراتيجي واضح قد يضع البلاد أمام أزمات متكررة في المستقبل القريب.
ما المطلوب الآن؟
إن التحدي الحقيقي لا يقتصر على توفير الوقود في المدى القصير، بل يتطلب رؤية إصلاحية أوسع تشمل:
1. إعادة تعريف دور الدولة في إدارة قطاع الطاقة
2. وضع معايير واضحة وشفافة لاختيار الشركات العاملة في الاستيراد والتوزيع
3. إنشاء مخزون استراتيجي من الوقود لضمان أمن الإمدادات
4. تعزيز الشفافية في آلية تسعير المشتقات البترولية
5. الاستثمار في إعادة تأهيل البنية التحتية النفطية
فأمن الطاقة ليس مسألة اقتصادية فحسب، بل هو عنصر أساسي من عناصر الأمن الوطني والاستقرار الاقتصادي.
*المصدر مجلة حواس الاقتصادية*




