*د .التوم حاج الصافي زين العابدين يكتب فرح الكيزان مأساة شعب*

ردود أفعال كوادر تنظيم الحركة الإسلامية السودانية بعد الحديث عن تصنيفها كتنظيم إرهابي لم تكن مفاجئة؛ فقد جاءت سريعة، ومشحونة بالسخرية المعتادة، وكأن الأمر لا يعنيهم في شيء. اللواء عبدالهادي عبد الباسط، أحد كوادرهم الأمنية، سارع إلى التقليل من قيمة القرار في لقاء مع الصحفي فارساب ، وربطه بسلسلة قرارات واشنطن السابقة، قائلاً إن ذلك “لا يساوي قيمة الحبر الذي كُتب به”، مضيفًا بثقة أن السودان “نهض في زمن العقوبات والعزلة”.
هذه هي لغتهم دائماً: إنكار، ومكابرة، واستهانة بمعاناة شعب كامل. يتحدثون عن “النهضة” وكأن السودانيين لم يعيشوا سنوات من الفقر والانهيار والعزلة الدولية، وكأن البلاد لم تتحول في عهدهم إلى ساحة صراعات وعقوبات وانهيار اقتصادي. الحقيقة أن تلك “النهضة” التي يتغنون بها لم تكن سوى نهضة تنظيمهم داخل الدولة، بينما كان الوطن كله ينهار.
تنظيم الحركة الإسلامية لم يكن يوماً مجرد تيار سياسي عادي؛ لقد تعامل مع السودان كغنيمة، ومع الدولة كأداة، ومع الشعب كوقود لمغامراته الأيديولوجية. جعل البلاد رهينة لفكره، وفتح أبوابها للصراعات، ثم جلس قادته في أمان، يعيشون حياة مرفهة بينما يدفع الشعب الثمن.
الأدهى من ذلك أن بعضهم يتحدث اليوم وكأن العقوبات كانت بطولة وطنية، متناسياً أن ملايين السودانيين دفعوا ثمن تلك السياسات عزلةً وفقراً وضيقاً في العيش. أولئك الذين يتباهون بالصمود كانوا دائماً بعيدين عن طوابير الخبز والوقود، بعيدين عن الانهيار الاقتصادي، يعيشون في بحبوحة، بينما كان المواطن العادي يختنق تحت ثقل سياساتهم.
لكن الحقيقة التي يعرفها السودانيون جيداً هي أن الصراع ليس بين الشعب السوداني والعالم، بل بين شعب يبحث عن دولة طبيعية وتنظيم حوّل الدولة إلى أداة في مشروعه الخاص. ولذلك فإن المطلوب ليس كسر عظم السودان، ولا معاقبة شعبه مرة أخرى، بل الفصل الواضح بين الشعب وبين التنظيم الذي صادر الدولة لعقود.
السودانيون ليسوا سذجاً، وهم يعرفون تماماً فساد وإجرام هذا التنظيم. ولن يخرج سوداني شريف واحد ليدافع عنه، إلا من كان مستفيداً من فساده أو غارقاً في تضليله. أما بقية الشعب فقد دفع الثمن بما يكفي، ولا يريد أن يكون مرة أخرى حقل تجارب لعقوبات لا تصيب إلا الفقراء.
إذا كانت لدى واشنطن أدوات صارمة لضرب التنظيم، فلتكن الضربة موجهة نحوه مباشرة: إلى شبكاته، وأمواله، وقياداته، ومصالحه. أما تحويل العقوبات إلى طوق يخنق الشعب مرة أخرى فليس سوى خطأ يتكرر، ودرس كان ينبغي أن يُفهم منذ زمن.
فالشعوب لا تقاتل، ولا تحمل السلاح، ولا تبني المليشيات. السلاح والإرهاب كانا دائماً أدوات التنظيم الإسلامي. ولذلك، إن كان هناك صراع، فليكن في ساحته الحقيقية: مع التنظيم نفسه، لا على حساب أجساد السودانيين الذين دفعوا الثمن طويلاً.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole