*كريمة تستحق أكثر يا والي الشمالية بقلم: بكري خليفة*

لك أن تتخيّل، عزيزي القارئ، أن بعض النافذين داخل ديوان الزكاة بمدينة مروي استكثروا على كريمة نقل ديوان الزكاة، وهو واحد من عشرات المؤسسات والوزارات الموجودة في مروي. ففي مروي يوجد المطار، والفرقة (19) العسكرية، والمستشفى الصيني، والمستشفى العسكري، والكبري، وكل مباني الوزارات الحكومية، وعدد من الجامعات وغيرها.
ويبدو أننا لم نتعظ مما حدث في الحرب الأخيرة، حيث تركزت الخدمات في العاصمة دون غيرها من الولايات، مما أدى إلى دمار واسع. ولو كانت التنمية متوازنة لما أصابنا هذا الضرر الكبير، فالجميع يقر بمقولة: لا تضع بيضك في سلة واحدة.
وكريمة، التي لا تقل أهمية عن مروي، هي المدينة الأقرب إلى السد (27 كيلومتراً)، والتي كان يُفترض أن تحمل اسمه، إلا أن التسمية استقرت على “سد مروي”، وارتضى الجميع بذلك رغم عدم توازن التنمية بين المدينتين.
وقد احتضنت كريمة مؤسسات وطنية تاريخية، على رأسها السكة حديد، حيث ظل “قطر كريمة” حاضراً في ذاكرة أجيال كاملة تنقلت به إلى مختلف مدن السودان. كما كانت مؤسسة النقل النهري تمثل عصب الحياة في المدينة، إلى جانب السكة حديد، وقد وفرتا معاً آلاف فرص العمل.
كذلك اعتمدت كريمة على مصنع تعليب الفاكهة والخضر ومصنع البلح، اللذين أسهما في انتعاشها الاقتصادي في فترات سابقة، عبر دعم المزارعين، وزيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، ورفد الأسواق بمنتجات ذات سمعة طيبة من صلصات وعصائر ومعلبات، كانت تصل إلى مختلف ولايات السودان.
غير أن تعطل هذه المؤسسات الحيوية ألقى بظلاله على المدينة، فتراجعت فرص العمل، وازدادت الهجرة، وأصبحت كريمة تعتمد بشكل أساسي على التجارة وحركة السوق الداخلي، إلى جانب بعض الخدمات، خاصة القطاع الصحي، الذي بات مقصداً لمواطني الولاية.
بعد كل هذا التاريخ الباذخ، يستكثر نفر من أبناء المنطقة نقل ديوان الزكاة إلى كريمة، رغم وجود مبنى مملوك للديوان ومشيّد على أحدث طراز، في مقابل مبنى مؤجر في مروي يكلّف نحو (2) مليار جنيه، ويعاني من ضعف البيئة الصحية وضيق الأقسام ووجود القوارض.
وفي هذا السياق، أوضح مدير ديوان الزكاة بالولاية الشمالية، مولانا الهادي محمد أحمد، أن قرار النقل يأتي في إطار ترشيد الإنفاق وتوجيه الموارد لمشروعات الزكاة، مؤكداً عدم تحيزه لأي مدينة. وأضاف أن وجود مبانٍ للديوان في مختلف المدن يسهم في الوصول إلى المستفيدين، مشيراً إلى إمكانية التوسع مستقبلاً وفق الإمكانيات المتاحة.
وأكد أهمية الاستفادة من مبنى كريمة بدلاً من إهدار الموارد في الإيجارات، لافتاً إلى أن الظروف تغيّرت، وأصبح التنقل بين المدن أكثر سهولة مما كان عليه في السابق.
إن نقل ديوان الزكاة إلى كريمة يمكن أن يسهم في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي، لما يمثله من مؤسسة خدمية ذات تأثير مباشر، تستقطب الموظفين والمستفيدين والمتعاملين مع برامجها.
أخيراً، يا سعادة والي الولاية الشمالية، إن مدينة كريمة ظلمت كثيراً، ويجب أن تكون ضمن أولوياتكم في المرحلة المقبلة، فهي تحمل المستقبل ممثلاً في سد مروي، وتحمل التاريخ ممثلاً في جبل البركل، المدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
كما لا يمكن إغفال صمود أهلها وتكاتفهم عبر لجنة تطوير مدينة كريمة، إذ كان لهم دور كبير في الحفاظ على المدينة عبر المبادرات الشعبية مثل دعم قسم الشرطة، ومستشفى نفير العافية، ومركز غسيل الكلى، ومعالجة مشكلات المياه، وغيرها من الجهود المجتمعية.
ومن المهم أن لا يقتصر دور النهوض بالمدينة على الحكومة وحدها، بل يتطلب أيضاً مبادرات من المجتمع المحلي، والاستفادة من الفرص المتاحة، مثل الطريق الرابط بين كريمة ودنقلا، الذي يمكن أن يشكّل نواة لمنطقة صناعية وزراعية جاذبة للاستثمار.
كما يقع على عاتق وزارة الاستثمار تهيئة البيئة المناسبة عبر تقديم الحوافز وتوفير الخدمات، بما يسهم في جذب المستثمرين وتحقيق التنمية المنشودة.
كريمة تستحق أكثر… وتستحق أن تُمنح فرصتها العادلة في التنمية.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole