*الفوضى ليست بريئة… من يحرّك خيوط الشقاق*

ما يجري الآن ليس مجرد سجال عابر بين نشطاء ولا انفعال لحظي يمكن احتواؤه ببضع دعوات للتهدئة بل هو مشهد مُقلق يكشف عن طبقة عميقة من العبث المنظم الذي يتسلل إلى وعي الناس بهدوء بينما يشتعل السطح بضجيج الشتائم من يدير هذه المعارك بين نشطاء محسوبين على الوسط وآخرين محسوبين على القوات المشتركة ولمصلحة من تُدفع اللغة إلى هذا المستوى المنحط الذي يخلط العنصرية بسباب الدين في معادلة قذرة لا تُنتج إلا الكراهية من المستفيد من تفكيك ما تبقى من تماسك الجبهة الداخلية في لحظة يفترض أنها لحظة اصطفاف لا تناحر ليست صدفة أن تتشابه أنماط الخطاب ولا أن تتكرر نفس المفردات ولا أن تنفجر هذه الاشتباكات في توقيتات حساسة كل ذلك يشير بوضوح إلى أن هناك شيئًا يُحاك في الظلام وأن ما يبدو فوضى عشوائية ليس إلا جزءًا من هندسة دقيقة تستهدف ضرب الثقة بين مكونات يفترض أنها تقف في صف واحد وتحويلها إلى جزر معزولة تتبادل الاتهامات بدل أن تتبادل الأدوار في معركة واحدة
حين ينحدر الخطاب إلى مستوى كلمة عنصرية تختزل إنسانًا في لونه أو أصله فإننا لا نواجه خطأ فرديًا بل استدعاءً لتاريخ كامل من الإقصاء يعاد إنتاجه بوعي أو بجهل وحين يأتي الرد بسباب ديني وألفاظ بذيئة فإننا لا نكون قد صححنا المسار بل عمقنا الجرح وفتحنا بابًا جديدًا للفوضى القيمية حيث يفقد النشطاء معناهم الأخلاقي ويتحولوا إلى أداة في معركة قذرة كلا الطرفين يسقط في الفخ ذاته ويخدم ذات الأجندة حتى وإن توهم أنه ينتصر لقضيته لأن النتيجة النهائية واحدة جبهة داخلية مهشمة خطاب عام ملوث وانقسام يتسع كل يوم على حساب فكرة الوطن الجامعة
هذه ليست معركة آراء ولا حتى اختلافات سياسية طبيعية هذه عملية تفكيك ناعمة تُدار بأدوات رخيصة لكنها فعالة تبدأ بكلمة وتنتهي بشرخ اجتماعي يصعب رتقه تبدأ باستفزاز مقصود يتبعه رد غاضب ثم يتوسع الاشتباك وتُستدعى الهويات الضيقة وتُضخ الكراهية في مسارات لم تكن مفتوحة من قبل وحين تصل الأمور إلى هذه النقطة لا يحتاج الخصم إلى أن يتدخل كثيرًا لأننا نكون قد أنجزنا الجزء الأكبر من المهمة عنه بأنفسنا
الأخطر في هذا المشهد ليس فقط ما يُقال بل ما لا يُقال الصمت المريب التهاون القانوني الغياب شبه الكامل للمساءلة تجاه خطاب يحمل كل مؤشرات التحريض على الكراهية هذا الصمت لا يمكن قراءته كحياد بل كفراغ خطير يتيح للفوضى أن تتمدد وللأصوات الأكثر تطرفًا أن تتصدر وتفرض إيقاعها على المجال العام القانون الذي لا يتحرك في لحظة كهذه يفقد هيبته والدولة التي لا تحمي نسيجها الاجتماعي تفتح الباب لتآكله من الداخل دون مقاومة
وعلى الجانب الآخر هناك وعي شعبي يتشكل بهدوء يرى هذا العبث ويدرك أن المعركة الحقيقية ليست بين نشطاء يتبادلون الشتائم بل بين مشروع يريد الحفاظ على ما تبقى من هذا الوطن ومشروع آخر يعمل بصبر على تفكيكه من الداخل عبر ضرب الثقة وتغذية الانقسام وإشغال الناس بمعارك جانبية لا تنتهي الشعب يعرف من يقاتل بصدق ومن يزايد بالكلمات ومن يبني ومن يهدم ولن يكون من السهل خداعه طويلًا مهما ارتفع ضجيج المنصات
هذه لحظة تتطلب وضوحًا أخلاقيًا لا لبس فيه رفض قاطع للعنصرية باعتبارها جريمة ضد فكرة الوطن ورفض حاسم لسباب الدين لأنه تشويه للقيم قبل أن يكون إساءة للآخرين وإدراك أن الرد على الخطأ بخطأ أكبر ليس شجاعة بل سقوط مزدوج يعمق الأزمة بدل أن يعالجها المعركة اليوم ليست فقط في الميدان بل في اللغة في الوعي في القدرة على التمييز بين خلاف مشروع وبين فخ مُحكم يُدفع الجميع للسقوط فيه
إما أن ننتبه الآن لما يُحاك في الظلام ونقطع الطريق على هذه اللعبة القذرة باستعادة خطاب مسؤول يحترم الإنسان ويحمي الفكرة الجامعة ويُحصن الجبهة الداخلية وإما أن نستمر في هذا الانحدار حتى نجد أنفسنا أمام واقع ممزق لا يحتاج فيه الخصم إلى أن ينتصر لأنه سيكون قد ضمن هزيمتنا من الداخل قبل أن تُحسم أي معركة على الأرض هذه ليست مبالغة بل قراءة لما يحدث أمام أعيننا كل يوم حيث تتحول الكلمات إلى معاول هدم وحيث يصبح أخطر سلاح ليس ما يُطلق في الميدان بل ما يُبث في العقول دون ضجيج حتى يكتمل الخراب بصمت ثم يخرج علينا الجميع متسائلين كيف وصلنا إلى هنا بينما الإجابة كانت واضحة منذ البداية لكننا اخترنا أن نتجاهلها

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole