*السفير علي بن حسن جعفر… هل آن أوان الرحيل أم ضرورة الاستمرار؟* *بقلم: بكري خليفة*

تتداول الأوساط السياسية والدبلوماسية أنباء عن انتهاء فترة تكليف سفير خادم الحرمين الشريفين لدى السودان، السفير علي بن حسن جعفر، بعد سنوات حافلة بالأحداث والتحولات التي شهدتها البلاد. وبينما يبدو الأمر إجراءً طبيعياً في السياق الدبلوماسي، فإن الحالة السودانية تطرح سؤالاً مختلفاً: هل هذا هو التوقيت المناسب لرحيل رجل لعب دوراً محورياً في واحدة من أعقد المراحل التي مر بها السودان؟
السفير علي بن حسن جعفر ليس مجرد دبلوماسي تقليدي تنقل بين العواصم، بل هو أحد أبناء المدرسة الدبلوماسية السعودية العريقة، بخبرة تمتد من جنيف إلى موسكو، ومن باكو إلى الخرطوم. هذه المسيرة الطويلة، المدعومة بتأهيل أكاديمي رفيع وإجادة لعدة لغات، صقلت شخصية دبلوماسية قادرة على فهم تعقيدات المجتمعات والتعامل مع تناقضاتها، وهو ما تجلى بوضوح خلال فترة عمله في السودان.
في الخرطوم، لم يكن السفير حبيس المكاتب الرسمية، بل انفتح على المجتمع السوداني بكل أطيافه. نسج علاقات متوازنة مع الحكومة والمعارضة، واقترب من الطرق الصوفية والتيارات السلفية، وتفاعل مع النخب السياسية والاجتماعية والثقافية. هذا الحضور الواسع لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل كان أداة فعالة في تقريب وجهات النظر وبناء جسور الثقة في بيئة شديدة الاستقطاب.
كما شهدت فترة عمله تطوراً ملحوظاً في العلاقات السودانية السعودية، على مختلف الأصعدة. فقد تعزز التعاون السياسي والاقتصادي، وتوسعت مجالات الدعم الإنساني والتنموي، خاصة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة، الذي لعب دوراً بارزاً خلال الحرب، مقدماً دعماً نوعياً في وقت عجزت فيه جهات كثيرة عن الفعل.
ولعل أبرز ما يُحسب للسفير جعفر هو حضوره الفاعل خلال الأزمة السودانية الأخيرة، حيث كانت المملكة العربية السعودية لاعباً أساسياً في جهود إجلاء الأجانب والدبلوماسيين، واستضافة مباحثات جدة، والمشاركة في المبادرات الدولية لوقف الحرب. في كل ذلك، كان السفير يمثل “رأس الرمح” في إدارة هذه الملفات، مستنداً إلى خبرته المتراكمة ومعرفته الدقيقة بتفاصيل المشهد السوداني.
من هنا، فإن الحديث عن مغادرته في هذا التوقيت يثير قدراً من القلق المشروع. فالسودان لا يزال يمر بمرحلة دقيقة، والجهود الإقليمية والدولية لإحلال السلام لم تكتمل بعد. واستبدال شخصية دبلوماسية بهذه الخبرة والعلاقات الواسعة قد يتطلب وقتاً طويلاً لإعادة بناء نفس مستوى الفهم والتأثير.
صحيح أن الدول تدير شؤونها وفق سياسات مؤسسية لا ترتبط بالأفراد، لكن الواقع يثبت أن بعض الشخصيات تترك بصمة استثنائية تجعلها حالة خاصة. والسفير علي بن حسن جعفر يبدو أنه أحد هذه الحالات، حيث جمع بين المهنية العالية والقبول المجتمعي الواسع، وهي معادلة نادرة في العمل الدبلوماسي.
لذلك، فإن خيار التمديد له – إن صحّت الأنباء – قد يكون خطوة منطقية تتسق مع طبيعة المرحلة، وتدعم الجهود الرامية إلى تحقيق السلام والاستقرار في السودان. فاستمرار الرجل في موقعه لا يعني فقط الحفاظ على زخم العلاقات الثنائية، بل أيضاً الاستفادة من خبرة تراكمت في واحدة من أكثر البيئات تعقيداً في المنطقة.
في النهاية، تبقى مصلحة السودان واستقراره، إلى جانب عمق العلاقات مع المملكة العربية السعودية، هي المعيار الأهم في تقييم مثل هذه القرارات. وبين ضرورات التغيير وحاجة الاستقرار، يظل السؤال مفتوحاً: هل يغادر السفير وقد أدى دوره، أم أن المرحلة لا تزال في حاجة إليه؟

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole