في السودان لم يعد الفساد استثناءً كما تحاول بعض الوجوه المتعبة أن تقنع الناس
الفساد أصبح مشهدًا يوميًا يتنفس داخل المؤسسات ويتحرك في المكاتب ويختبئ خلف ربطات العنق والشعارات الكبيرة والخطب الطويلة عن الوطنية والنزاهة والشرف العام
حتى صار المواطن البسيط يشعر أن الدولة نفسها تتآكل من الداخل ببطء وأن العفن وصل إلى مرحلة لم يعد يستطيع أحد إخفاء رائحته
الأخطر من الفساد نفسه أن الجميع يعرفه الفاسد يعرف نفسه جيدًا
يعرف من أين بدأ وكيف صعد ومن الذي حماه
ومن الذي فتح له الأبواب المغلقة ومن الذي غسل صورته أمام الناس
يعرف حجم الخراب الذي شارك فيه لكنه يواصل حياته بثقة غريبة لأن المناخ العام صار يشجع على الإفلات من المحاسبة أكثر مما يشجع على النزاهة
وفي هذا الجو الملوث تصبح الصحافة خطرًا حقيقيًا على كل هذه الشبكات الرمادية لأن الكلمة الصادقة والسؤال الحر يربك
والتحقيق الصحفي يفتح الأبواب التي يريد أصحاب النفوذ إبقاءها مغلقة إلى الأبد ولهذا السبب بالتحديد تتم مطاردة الصحفيين
ولهذا تُفتح المحاكم في وجه أصحاب الأقلام
ولهذا يُراد لكل صحفي أن يعيش خائفًا يتلفت حوله قبل أن يكتب أي حرف
الحكم على الصحفية رشان أوشي ليس قضية شخصية تخص رشان وحدها
بل هو صورة كبيرة لحالة بلد مرتبك يخاف من الحقيقة أكثر مما يخاف من الفساد نفسه
بلد قد يغض الطرف عن عشرات الكوارث لكنه يغضب جدًا حين يكتب صحفي ما لا يريد البعض سماعه أي مفارقة أكثر قسوة من هذه
وطن ينهار اقتصاديًا وسياسيًا وأخلاقيًا ثم يجد بعض الوقت لمحاكمة صحفية
بلد مليء بالدم والجوع والنزوح والفساد والفشل الإداري ثم يصبح المقال أخطر من كل هذه الكوارث مجتمعة
الحقيقة في السودان أصبحت عبئًا ثقيلًا
والصحفي الذي يقترب من ملفات النفوذ يتحول بسرعة إلى هدف
لا لأن ما كتبه خطير بالضرورة
بل لأن هناك من لا يريد لأي ضوء أن يدخل إلى هذه المساحات المعتمة
لكن الكارثة الحقيقية ليست فقط في الأحكام ولا في الترهيب
الكارثة في هذا الانحدار الأخلاقي المخيف عند بعض الناس
أولئك الذين يشمتون في زميلتهم لأنها حُكمت
الذين يتابعون سقوط صحفي أو صحفية وكأنهم يشاهدون مباراة ممتعة
الذين يصفقون بصمت لأن المنافسة المهنية والغيرة والحسابات الصغيرة أكلت أرواحهم حتى فقدوا الحد الأدنى من الشرف الإنساني
عار على كل من شمت في رشان أوشي
وعار على كل من اعتبر استهداف صحفية أمرًا يستحق الاحتفال أو التشفّي
لأن الصحافة ليست ساحة لتقطيع الزملاء وإرضاء السلطات
الصحافة موقف أخلاقي قبل أن تكون مهنة
والصحفي الذي يشمت في تكميم زميله يشارك بطريقة أو بأخرى في خنق المهنة نفسها اليوم هي رشان وغدًا سيكون غيرها
والذي يظن أن الصمت سيحميه واهم
لأن الخوف حين يدخل المؤسسات لا يفرّق بين الأشخاص
ولأن الأنظمة التي تخاف من الكلمة لا تشبع من إسكات الأصوات
المشكلة في السودان أن البعض يريد صحافة بلا أسنان
صحافة تبتسم فقط تصور المسؤولين تنشر المجاملات
وتحول الكوارث إلى أخبار باهتة بلا روح
يريدون صحفيين يجيدون التصفيق أكثر من إجادة السؤال
لكن الصحافة الحقيقية لم تُخلق لهذا أبدًا
الصحافة وُجدت لتقلق الفاسدين لتفتح الملفات الثقيلة
لتصرخ حين يصمت الجميع
لتقف في وجه الأكاذيب مهما كان الثمن
ولهذا كانت كل الأنظمة المرتبكة عبر التاريخ تخاف من الصحفي أكثر مما تخاف من السلاح لأن الرصاصة قد تقتل شخصًا
أما الحقيقة فقد تفضح منظومة كاملة
المواطن السوداني اليوم لم يعد يثق بسهولة في أي شيء
لا في الخطابات ولا في الوعود ولا في الشعارات المكررة
لأن الواقع أصبح أقوى من كل عمليات التجميل السياسية
الناس ترى الفساد بعينها ترى الانهيار في الخدمات
ترى الوجوه التي تتبدل مواقعها بينما يبقى الخراب كما هو
ترى الذين يتحدثون عن الوطن وهم يقتسمون مصالحهم فوق جسده المتعب
وفي وسط هذا كله يريد البعض من الصحافة أن تصمت
أن تتصرف كأن شيئًا لا يحدث
أن تتحول إلى موظف علاقات عامة عند السلطة والنفوذ
لكن المشكلة أن الأوطان لا تُبنى بالصمت ولا تُحمى بالخوف
ولا تتعافى بالمجاملات الكاذبة
أي قضاء يخيف الصحفيين أكثر مما يخيف الفاسدين يفقد احترام الناس تدريجيًا
لأن العدالة ليست استعراض قوة على أصحاب الرأي
العدالة الحقيقية هي أن يشعر المواطن أن القانون قادر على الوصول إلى الجميع بلا انتقاء وبلا مزاج وبلا حسابات خفية
أما حين يرى الناس أن أصحاب النفوذ ينجون دائمًا بينما يُحاصر الصحفي والكاتب وصاحب الرأي
فإن الثقة نفسها تبدأ في الانهيار
ويتحول القانون في نظر الناس إلى أداة تخويف لا ميزان عدالة
ورغم كل هذا ستبقى الحقيقة أكبر من كل محاولات الإخفاء
لأن التاريخ لا يتذكر الذين صفقوا للظلم
ولا يتذكر المحاريش الذين عاشوا على فتات السلطة
بل يتذكر الذين امتلكوا شجاعة الكلام في زمن كان الصمت فيه أكثر أمانًا سيأتي يوم تُفتح فيه كل الملفات
ويُعرف فيه من كان يبيع الوهم للناس ومن كان يخفي الحقائق
ومن كان يصفق للباطل
ومن كان يقف في الصفوف الخلفية ينتظر سقوط زملائه بشماتة باردة
وحينها فقط سيدرك الجميع أن الصحافة لم تكن عدوًا لأحد
بل كانت آخر جدار يحاول حماية هذا الوطن من السقوط الكامل
لكن المؤسف أن بعضهم لم يفهم ذلك إلا بعد أن أصبح الخراب أكبر من القدرة على الإنكار
وأكبر من القدرة على إخفائه خلف الأحكام والمحاكم والخطب العالية الفارغة
كامل التضامن مع رشان أوشي




