شهدت العاصمة الأوغندية كمبالا، مساء السبت 6 يونيو 2026، أمسية ثقافية سودانية استثنائية احتضنها مركز سلام ميديا بشارع بوكوتو، خُصصت لتدشين الكتاب الثاني للدكتور عباس التجاني محمد صالح، بعنوان «رحلة إلى بلاد توماي»، وسط حضور لافت من المثقفين السودانيين والمهتمين بالشأن الثقافي والأدبي.. ويأتي هذا الإصدار بعد كتابه الأول «سفر الروح.. حكايات أفريقية»، ليؤكد توجه المؤلف نحو أدب الرحلات بوصفه خياراً رئيساً في مشروعه الكتابي.
ويُعد أدب الرحلات أحد الفنون الأدبية التي تقوم على توثيق تجارب الكاتب وانطباعاته أثناء السفر، من خلال تقديم وصف جغرافي واجتماعي وثقافي للأماكن والشعوب، وهو لون أدبي عُرف في التراث العربي والإسلامي من خلال أعمال رحالة كبار مثل ابن بطوطة في كتابه الشهير «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، وابن جبير الأندلسي في رحلته المعروفة “تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار”، كما برز في العصر الحديث لدى كتاب مثل رفاعة الطهطاوي في «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وأنيس منصور في «حول العالم في 200 يوم»، وعالميا عرف بهذا النوع من الكتابة، الكاتب الأمريكي مارك توين في كتابه «الأبرياء في الخارج».
وفي هذا السياق، يمثل مشروع عباس التجاني محاولة جادة لإحياء هذا النوع الأدبي من منظور سوداني معاصر، مع تركيز خاص على المجتمعات الأفريقية وقضاياها وتحولاتها.. وتكتسب هذه التجربة خصوصيتها من اهتمام الكاتب باستكشاف البيئات الأفريقية المختلفة ورصد تفاصيلها الثقافية والاجتماعية والإنسانية، وهو مجال لم يحظَ بحضور واسع في الكتابة السودانية مقارنة بغيره من الموضوعات الأدبية.
يرصد كتاب «رحلة إلى بلاد توماي» تفاصيل رحلة قام بها المؤلف إلى تشاد، البلد الذي تجمعه بالسودان روابط تاريخية واجتماعية وثقافية عميقة، رغم محدودية المعرفة المتبادلة بين شعبي البلدين في كثير من الجوانب.. وتبدأ الرحلة من مطار” حسن جاموس” الدولي في العاصمة إنجمينا غربا، ثم تمتد شرقاً حتى منطقة وادي أديكونك الواقعة على الحدود السودانية التشادية.
ومن خلال لغة وصفية وسرد متدرج، يوثق الكاتب مشاهداته وانطباعاته حول المجتمع التشادي، بدءاً من تعامل المؤسسات الرسمية والمواطنين، مروراً بالجوانب الثقافية والدينية، وصولاً إلى المدن التاريخية مثل أبشي التي أفرد لها مساحة واسعة تناول فيها مكانتها التاريخية ودورها الثقافي.
كما يخصص الكتاب جانباً مهماً لتوثيق أوضاع السودانيين الذين فروا من الحرب إلى الأراضي التشادية، ولا سيما النازحين من مدينة الجنينة، حيث ينقل شهاداتهم ويستعرض الظروف الإنسانية الصعبة التي يعيشونها. ويشير المؤلف إلى التحديات التي واجهته خلال الرحلة، خاصة في سعيه للوصول إلى وادي أديكونك، بهدف الوقوف ميدانياً على أوضاع المتضررين من الحرب وتوثيق تجاربهم ومعاناتهم.
وقد تشرفتُ بأن اختارني الدكتور عباس التجاني مناقشاً اساسيا لكتابه في حفل تدشينه، وهي ثقة أعتز بها وأقدرها كثيراً.. وفي تقديري هذا العمل الابداعي يجمع بين السرد الأدبي والتوثيق الميداني، ويقدم صورة متعددة الأبعاد عن المجتمع التشادي، كما يعكس اهتماماً واضحاً بتوثيق العلاقات الإنسانية والثقافية التي تربط السودان بمحيطه الأفريقي.
ومن خلال الاطلاع على “مؤلفي” عباس التجاني، يبرز اهتمامه بالوصف التفصيلي للمشاهد والأمكنة والشخصيات، وهو ما يمنح نصوصه طابعاً روائياً واضحاً.. كما تتجلى في أعماله عناية خاصة بتوثيق الشهادات الإنسانية والوقائع الميدانية، الأمر الذي يضفي على كتاباته بعداً توثيقياً إلى جانب بعدها الأدبي.
ويحمل عنوان الكتاب دلالة ثقافية وتاريخية مرتبطة بتشاد؛ إذ تشير كلمة «توماي» في إحدى اللغات المحلية.. لغة “الغوران ” إلى «أمل الحياة»، كما يرتبط الاسم بجمجمة «توماي» الشهيرة التي اكتشفها فريق استكشافي فرنسي تشادي على راسه عالم الحفريات والانثربلوجيا الفرنسي ميشيل بورنيه، بصحراء “جولاب” شمال تشاد في العام 2001 وتعد أقدم حفرية معروفة لأسلاف البشر، حيث يعود تاريخها إلى حوالي 7 ملايين سنة.
ومن خلال هذه الرحلة، يقدم الكاتب صورة عن تشاد بوصفها بلداً يمتلك إرثاً حضارياً وثقافياً غنياً، ويبرز أوجه التشابه والتداخل بين المجتمعين السوداني والتشادي، بما يعكس عمق الروابط التاريخية والإنسانية بين الشعبين.
وشهدت الأمسية “مداخلات” ثرية ومتنوعة من الحضور، عكست اهتماماً واسعاً بمضامين الكتاب، حيث اكد “المناقشون” على أهمية توجه الإنسان السوداني نحو أفريقيا بوصفها امتداده الطبيعي والتاريخي والثقافي، مؤكدين أن على الكُتّاب والأدباء والمبدعين السودانيين توجيه أقلامهم بصورة أكبر نحو القارة الأفريقية، واستكشاف مجتمعاتها وقضاياها وتحولاتها من منظور سوداني معاصر.
كما شددت “المداخلات” على ضرورة تكاثر الأعمال الأدبية والفنية والإبداعية التي تتناول أفريقيا، سواء في الرواية أو أدب الرحلات أو الدراسات التوثيقية أو الإنتاج البصري والمرئي، بما يسهم في بناء معرفة متبادلة أعمق بين الشعوب الأفريقية.. ورأى “المداخلون”، أن الكتابة والإبداع يمكن أن يؤديا دوراً محورياً في تعزيز التقارب السياسي والاقتصادي والثقافي، عبر تقديم صور أكثر واقعية وإنسانية عن المجتمعات الأفريقية، وترسيخ الوعي بالمصالح المشتركة والروابط التاريخية التي تجمع السودان بجواره الأفريقي.
ويبدو أن كتابي «سفر الروح»، و«رحلة إلى بلاد توماي»، يشكلان نواة مشروع أدبي يركز على استكشاف أفريقيا والتعريف بمجتمعاتها وقضاياها من منظور سوداني.. ومن شأن استمرار هذا المشروع وتطويره أن يضيف تجربة نوعية إلى المكتبة السودانية، خاصة في مجال أدب الرحلات الذي لا يزال بحاجة إلى مزيد من الإسهامات المعاصرة.
وفي هذا الإطار، تبدو أهمية توسيع دائرة التعريف بهذه الأعمال من خلال المشاركة في معارض الكتب والفعاليات الثقافية داخل السودان وخارجه، بما يتيح للقراء والمهتمين الاطلاع على هذه التجربة والاستفادة مما تقدمه من سرد أدبي وتوثيق معرفي للفضاء الأفريقي، الذي ظل حاضراً في الجغرافيا السودانية أكثر مما كان حاضراً في كثير من الكتابات الأدبية السودانية.
وفي ختام هذه القراءة، يمكن القول إن الدكتور عباس التجاني قدم من خلال كتابيه «سفر الروح.. حكايات أفريقية»،و«رحلة إلى بلاد توماي»، تجربة أدبية لافتة تستحق التوقف عندها.. فبأسلوبه السردي الرشيق وقدرته على رسم المشاهد ونقل التفاصيل الإنسانية والثقافية بلغة تجمع بين جمال التعبير ودقة الوصف، يبرهن على امتلاكه أدوات الكاتب الروائي القادر على بناء مشروع إبداعي متماسك. وإذا واصل هذا المسار بالجدية نفسها، فإن الساحة الأدبية السودانية ستكون أمام اسم مرشح لاحتلال مكانة متقدمة بين الروائيين والكتاب الكبار، ليس على المستوى السوداني فحسب، بل في فضاء الأدب العربي والأفريقي الأوسع.




