تتجه الأنظار في الساحة السياسية والعسكرية السودانية نحو خطط إعادة ترتيب البيت الداخلي للمؤسسة العسكرية، وسط تقارير وتحليلات متواترة تشير إلى توجه قيادة القوات المسلحة نحو إحكام السيطرة على ملف “الاستنفار” وإعادة هيكلة وتذويب الكيانات والكتائب المساندة، وعلى رأسها لواء “البراء بن مالك”، ضمن الهياكل النظامية الرسمية للجيش.
هذا الحراك المقروء في أروقة السياسة لا يُنظر إليه كإجراء إداري فحسب، بل كخطوة استراتيجية تفرضها ظروف المرحلة المعقدة ومطلوبات الانتقال القادم نحو دولة المؤسسات.
حرب الكرامة: إشادة
مستحقة بالأدوار الميدانية
لا يمكن قراءة هذا التوجه بمعزل عن الاعتراف بالدور المحوري والفارق الذي لعبته كتائب المستنفرين، وفي مقدمتها لواء البراء بن مالك، منذ اندلاع الحرب. فقد شكلت هذه المجموعات ظهيراً وسنداً حقيقياً للقوات المسلحة في “معركة الكرامة”، وقدمت تضحيات جسيمة في الأرواح والعتاد في أحلك الظروف الحركية والميدانية.
وقد اتسم أداء هذه الكتائب بالانضباط العالي والفاعلية في مساندة العمليات البرية وإدارة التكنولوجيا العسكرية الحديثة كالمُسيّرات، مما ساهم بشكل مباشر في الصمود وتغيير موازين القوى لصالح الدولة في عدة محاور استراتيجية. ومثّل هذا العطاء الشعبي نموذجاً للتلاحم في مواجهة المهددات الوجودية للبلاد.
من الإسناد الميداني إلى المأسسة الشاملة
ومع تطور مسار المعارك والتقدم الميداني الأخير الذي تحرزه القوات المسلحة، بدأت تبرز رؤية استراتيجية تنادي بضرورة الانتقال من صيغة “الإسناد الشعبي المؤقت” إلى صيغة “المأسسة الشاملة”. ويرى مهتمون بالشأن السياسي والعسكري أن هذا التوجه يحمل دلالات محورية:
وحدة القرار والقيادة: تسعى القوات المسلحة تاريخياً للحفاظ على هرميتها الصارمة كمنظومة نظامية وحيدة. وبالتالي، فإن تذويب أي تشكيلات ذات طابع مستقل أو رمزي تحت لافتة الجيش الرسمية يعد خطوة طبيعية لحصر شرعية السلاح وضمان انسداد الطموحات الموازية مستقبلاً.
التعاطي مع التحولات الدبلوماسية: تواجه الحكومة السودانية تحدي إدارة العلاقات الخارجية وبناء توافقات إقليمية دولية تسهم في مرحلة ما بعد الحرب. ويمثل إنهاء المظاهر المسلحة غير النظامية رسالة إيجابية للمجتمع الدولي تؤكد التزام الدولة ببناء جيش وطني مهني موحد بعيداً عن التجاذبات الأيديولوجية.
التهيئة للمسار السياسي المستقبلي: يمثل تنظيم ملف المقاومة الشعبية والاستنفار خطوة استباقية لقطع الطريق أمام أي استقطاب حزبي أو جهوي قد يهدد تماسك الجبهة الداخلية في مرحلة السلام أو التسوية المرتقبة.
التوقيت والدلالة: ترتيب لملف السلام أم حسم للميدان؟
ويربط مراقبون بين توقيت هذه التحركات العسكرية وبين التحركات الدبلوماسية الأخيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي الرامية لإيجاد صيغة لإنهاء الحرب. إن إظهار الدولة لسيطرتها الكاملة على السلاح يقطع الطريق أمام الذرائع التي تتحدث عن “تعدد مراكز القرار” داخل معسكر الدولة.
من جهة أخرى، يرى مهتمون أن هذه الخطوة لا تعني إضعاف الجهد الشعبي، بل هي تحويل “المقاومة الشعبية” من صيغة الفصائل المستقلة إلى صيغة “قوات احتياط نظامية” (مثل الدفاع المحلي أو الحرس الوطني)، وهو نموذج معمول به في كبرى المدارس العسكرية العالمية لحفظ توازن الأمن القومي في أوقات الأزمات.
طمأنة الشارع وسد الثغرات الأمنية
إلى جانب الأبعاد السياسية والدبلوماسية، تحمل خطوة مأسسة القوات المساندة رسالة طمأنة بالغة الأهمية للشارع السوداني الذي يتطلع لبناء دولة أمنية مستقرة ومستدامة. إن تحويل هذه الطاقات الشبابية والميدانية إلى أطر رسمية يغلق الباب تماماً أمام أي محاولات للاختراق أو الشائعات التي تسعى لشق الصف الوطني أو إحداث جفوة بين الجيش وظهيره الشعبي. وبذلك، تتحول طاقة الاستنفار من حالة “الهبّة المؤقتة” إلى صمام أمان دائم ومقنن، يحمي النسيج الاجتماعي ويصون السيادة الوطنية بقرار سوداني خالص لا يقع تحت طائلة التجاذبات الخارجية.
المآلات القانونية والإدارية المتوقعة
من الناحية الإدارية والقانونية، فإن التوصيف الدقيق لما يجري ليس “الحل الإقصائي”، بل هو “الدمج والتقنين الحذر”. حيث تفيد المؤشرات بأن الأفراد والقدرات اللوجستية والفنية التي تتبع لهذه الكتائب سيتم استيعابها بالكامل ضمن فروع الجيش المتخصصة (كالهندسة العسكرية، أو غرف الطيران المسير، أو الاستخبارات).
هذا الإجراء يضمن أمرين حاسمين:
قانونياً: حماية الأفراد عبر إسباغ الصفة العسكرية الرسمية عليهم، مما يضع تحركاتهم وسلاحهم تحت مظلة قانون القوات المسلحة السودانية ويقيهم أي ملاحقات أو تصنيفات قانونية سالبة بصفتهم الشخصية أو التنظيمية.
ميدانياً: الحفاظ على المكتسبات العسكرية والخبرات القتالية الشابة التي تشكلت في الجبهات، ودون إحداث أي فجوة في القوة الضاربة للجيش.
الخلاصة :
إن إعادة هيكلة القوات المساندة وتذويبها داخل المؤسسة العسكرية يظل مطلباً أساسياً لاستعادة هيبة الدولة وبناء المستقبل. وتبدو قيادة الجيش عازمة على المضي في هذا الطريق تدريجياً لضمان الانتقال السلس من حالة “التحشيد الحربي” إلى حالة “استقرار دولة المؤسسات”، مع حفظ مكانة وتضحيات كل من استجاب لنداء الوطن في معركته المصيرية.




