*من دارفور إلى أنجمينا وجنوب ليبيا مرورا بالأمارات وتركيا اغتيال مدير استخبارات حكومة بنغازي: أي ليبيا تتشكل بعد المنصوري؟*

بنغازي : القاهرة : عمار عوض

لم يكن مقتل اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في قوات شرق ليبيا، مجرد حادث أمني في مدينة اعتادت منذ سنوات أخبار الاغتيالات والصراعات المسلحة.

في مساء 10 أغسطس/آب، قُتل المنصوري إثر انفجار استهدف سيارته في بنغازي، من دون أن تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية أو تتضح دوافعها. ووصفته تقارير صحفية بأنه أحد كبار مسؤولي الاستخبارات في قوات خليفة حفتر.

لكن أهمية الرجل لا تبدأ من منصبه الأخير.

فالمنصوري أمضى سنوات في الجنوب الليبي، وتولى قيادة منطقة سبها قبل انتقاله إلى إدارة الاستخبارات العسكرية، وهو مسار يضعه عند تقاطع منطقتين شديدتي الحساسية: بنغازي، مركز القوة السياسية والعسكرية في الشرق، والجنوب، حيث تلتقي ليبيا بحدود السودان وتشاد والنيجر.

ولهذا لا ينبغي أن يتوقف السؤال عند: من قتل المنصوري؟

السؤال الأوسع هو: ماذا يعني غياب رجل كان جزءاً من المعرفة الأمنية المتراكمة في أكثر مناطق ليبيا اضطراباً، في لحظة بدأت فيها مراكز القوة الليبية إعادة ترتيب علاقاتها الداخلية والخارجية؟

ففي 10 أغسطس قُتل المنصوري في بنغازي.

وفي اليوم التالي بدأ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان زيارة إلى ليبيا كانت مرتبة مسبقاً، وشملت طرابلس وبنغازي، في إطار مسار تركي جديد يتعامل مع شرق البلاد كما يتعامل مع غربها.

دخل فيدان ليبيا في لحظة مختلفة عما كان قائماً عندما أُعدت الزيارة: بنغازي كانت قد خرجت لتوها من اغتيال أحد كبار مسؤوليها العسكريين، فيما حملت الزيارة ملفات تتصل بوحدة ليبيا، والعلاقات بين شرقها وغربها، والطاقة والتجارة والدفاع.

الاغتيال حدث، والزيارة حدث آخر، لكنهما وقعا في لحظة واحدة بدأت فيها ليبيا إعادة ترتيب مراكز القوة والعلاقات الإقليمية المحيطة بها.

## رجل عند تقاطع بنغازي والجنوب

ليس من السهل اختزال المنصوري في لقب «رئيس الاستخبارات العسكرية».

في ليبيا، تعمل الاستخبارات داخل منظومة تشكلت خلال سنوات الانقسام والحرب، حيث تتداخل المؤسسة العسكرية مع الجغرافيا والقبائل والحدود والتشكيلات المسلحة وشبكات التهريب والحضور الخارجي.

والجنوب ليس هامشاً.

من سبها وفزان إلى الكفرة والعوينات، وصولاً إلى المثلث الحدودي مع السودان وتشاد والنيجر، تتحرك ملفات تتجاوز الأمن المحلي: الهجرة، وتهريب البشر والسلاح والوقود، وطرق الذهب، والجماعات المسلحة العابرة للحدود، والقوات التشادية، والمقاتلون السودانيون، وامتدادات الحرب السودانية.

لهذا فإن قيمة المنصوري لا تكمن فقط في رتبته.

الرجل الذي أمضى سنوات في الجنوب يعرف، بحكم مساره، قيادات محلية وطرق حركة ومصادر معلومات وتوازنات قبلية وعسكرية. وهذه أشياء لا تنتقل دائماً بقرار تعيين من شخص إلى آخر.

يستطيع معسكر حفتر تعويض الرجل، لكن المؤسسات الأمنية لا تفقد الأشخاص فقط؛ أحياناً تفقد معهم الذاكرة: معرفة القيادات، وشبكات الاتصال، وطرق الحركة، ومصادر المعلومات.

ومن هنا تصبح دلالة اغتياله أكبر من سؤال الخلافة على منصب مدير الاستخبارات.

فالرجل غاب في لحظة يتحول فيها الجنوب نفسه من هامش عسكري إلى ملف إقليمي.

## تركيا: من مواجهة حفتر إلى الحديث معه

التحول التركي أحد أهم مفاتيح فهم اللحظة الليبية الحالية.

قبل سنوات قليلة كانت أنقرة في قلب المعسكر الذي واجه هجوم خليفة حفتر على طرابلس عام 2019، وتدخلت عسكرياً إلى جانب حكومة الوفاق، وأسهم دعمها في تغيير ميزان الحرب.

أما اليوم، فأصبحت تركيا تتحدث مباشرة مع حفتر وأبنائه.

والأهم أن الانفتاح لم يبدأ بزيارة وزير الخارجية الأخيرة.

في 24 يوليو/تموز، التقى هاكان فيدان في أنقرة بصدام حفتر، نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا، في لقاء أكدته وزارة الخارجية التركية. وكان ذلك مؤشراً على أن أنقرة لم تعد تتعامل مع شرق ليبيا باعتباره خصماً يجب احتواؤه، بل طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي صيغة مستقبلية.

ثم جاء موعد زيارة فيدان إلى ليبيا في 11 و12 أغسطس/آب، والتي شملت طرابلس وبنغازي، في إطار سياسة تركية تعلن دعم وحدة ليبيا واستقرارها وعدم ترسيخ الانقسام بين الشرق والغرب.

وهنا لا تترك أنقرة طرابلس لصالح بنغازي.

بل تفعل شيئاً أكثر براغماتية: تحاول ألا تكون حاضرة في نصف ليبيا وغائبة عن نصفها الآخر.

فالشرق موجود، وحفتر موجود، وصدام حفتر يزداد حضوراً، والجنوب الذي يقع الجزء الأكبر منه ضمن مجال نفوذ الشرق يتصل بالسودان وتشاد والنيجر.

والنفط وإعادة الإعمار والحدود والهجرة والأمن كلها ملفات تجعل بنغازي جزءاً لا يمكن تجاهله من مستقبل ليبيا.

لذلك فإن التحول التركي ليس مجرد مصافحة مع خصم سابق، بل انتقال من سياسة التعامل مع طرف ليبي رئيسي إلى سياسة تريد لأنقرة موقعاً في ليبيا كلها.

## القاهرة وأنقرة وواشنطن: تقاطع المصالح

لم يحدث هذا الانفتاح التركي في فراغ.

القاهرة تتحرك منذ سنوات باتجاه توحيد المؤسسات الليبية، وتتعامل مع شرق ليبيا باعتباره مكوناً رئيسياً في أي تسوية مقبلة، فيما تنظر إلى استقرار حدودها الغربية باعتباره مسألة أمن قومي.

وفي المقابل، أدركت أنقرة أن استمرار علاقتها القوية بطرابلس لا يكفي لحماية مصالحها طويلة الأمد إذا بقيت خارج بنغازي.

ثم دخلت واشنطن بقوة أكبر في هذا المسار.

تحركات مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، والاتصالات الأميركية مع القاهرة والأطراف الليبية، تزامنت مع انفتاح مباشر على شرق ليبيا، فيما فتحت واشنطن قناة مع صدام حفتر تناولت مسألة توحيد المؤسسات الليبية.

ليست هذه بالضرورة خطة ثلاثية، ولا تعمل القاهرة وأنقرة وواشنطن وفق رؤية واحدة.

لكن مصالح مختلفة بدأت تلتقي عند مشكلة واحدة: استمرار الانقسام الليبي أصبح أكثر كلفة من محاولة إعادة بناء الدولة.

وهنا تبدأ العقدة الحقيقية.

توحيد المؤسسات لا يعني أن يجتمع المسؤولون أمام الكاميرات.

فالمؤسسة العسكرية الموحدة تعني في النهاية الإجابة عن سؤال: **من يملك القوة بعد الوحدة؟**

## صدام حفتر: الجيل الذي يتحرك خارج بنغازي

هنا يصبح صدام حفتر جزءاً أساسياً من الصورة.

لم يعد مجرد ابن خليفة حفتر. إنه نائب القائد العام لقوات شرق ليبيا، وأصبحت تحركاته الخارجية تتجاوز العلاقات التقليدية لمعسكر بنغازي.

واشنطن.

أنقرة.

ثم تشاد.

وفي يوليو/تموز، التقى صدام حفتر الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي في أنجمينا، وبحث معه التعاون الأمني والاستقرار الإقليمي وتأمين الحدود.

وتشاد هي الحلقة التي تصل شرق ليبيا بدارفور.

شمال تشاد يلتقي الجنوب الليبي، وجنوبها متصل بالسودان، وبين هذه الجغرافيا تتحرك منذ عقود شبكات السلاح والذهب والتهريب والمقاتلين.

ومن هنا فإن انتقال صدام من بنغازي إلى واشنطن وأنقرة وأنجمينا يقول شيئاً عن الدور الذي يجري بناؤه له.

إنه يتحرك في الفضاء الذي تشكلت فيه قوة حفتر نفسها.

وهذا يفتح سؤالاً أكبر من خلافة خليفة حفتر: هل يجري إعداد صدام ليكون رجل الشرق داخل ليبيا الموحدة، أم وريثاً لشبكة نفوذ عسكرية تتجاوز حدود الدولة؟

الإجابة لم تظهر بعد.

لكن الحركة نفسها أصبحت مؤشراً.

## الإمارات: الحليف الإقليمي ومسار يصل بنغازي بدارفور

لا يمكن قراءة شرق ليبيا من دون الإمارات.

فعلاقة أبوظبي بمعسكر خليفة حفتر راسخة منذ سنوات، وكانت الإمارات أحد أبرز الداعمين الإقليميين له خلال الحرب الليبية.

وبالتالي فإن الإمارات ليست طرفاً جديداً في معادلة بنغازي، بل الحليف الإقليمي الأبرز لمعسكر حفتر.

لكن أهمية هذه العلاقة تصبح أكثر حساسية عندما نمد الخط من بنغازي إلى الكفرة، ثم من الكفرة إلى دارفور.

ففي أحدث تحقيق استقصائي لرويترز حول شبكة الإمداد المرتبطة بالحرب السودانية، تتبعت الوكالة طائرات بوينغ مرتبطة بشركات يملكها أو يديرها متعاقد عسكري أميركي سابق، ورصدت تحركاتها بين تشاد وليبيا ومناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في دارفور.

وأظهرت بيانات الرحلات وصور الأقمار الصناعية وتتبع الأجهزة المحمولة أن هذه الطائرات كانت مرتبطة بشبكة لوجستية تستخدمها قوات الدعم السريع، فيما أشارت رويترز إلى الاشتباه في دعم إماراتي لهذه الشبكة.

وفي تحقيق آخر لرويترز، استناداً إلى مسودة تقرير لفريق خبراء الأمم المتحدة، قالت الوكالة إن طائرات بوينغ مرتبطة بالشبكة نفسها استخدمت في نقل أسلحة ومسيّرات ومقاتلين ومرتزقة إلى قوات الدعم السريع، وإن الشبكة شملت مراكز لوجستية في ليبيا وتشاد والصومال والسودان.

وتظهر في خريطة الحركة الجوية الإقليمية أيضاً رحلات من **مطار العين في الإمارات إلى أنجمينا**، في مسار بات محل متابعة في سياق شبكة الإمداد المرتبطة بالحرب السودانية.

ثم جاء تحقيق «التلغراف» البريطانية في يونيو/حزيران، الذي تحدث عن شبكة من معسكرات سرية في جنوب ليبيا لتدريب مقاتلي الدعم السريع على استخدام المسيّرات والرشاشات الثقيلة وقاذفات الصواريخ، وربط التحقيق هذه الشبكة بالدعم الإماراتي، كما أشار إلى أدوار ليبية وكولومبية وروسية في المشهد الأوسع للحرب السودانية.

هذه التقارير لا تلغي السؤال الذي تفرضه الجغرافيا والسياسة:

كيف أصبح شرق ليبيا، الذي يمثل حفتر أحد أهم مراكز قوته، جزءاً من شبكة طرق ومطارات ومعسكرات تربط الحرب السودانية بالفضاء الليبي والإقليمي؟

هنا لا تعود المسألة مجرد اتهام سوداني للإمارات.

إنها تتصل بموقع الإمارات داخل معادلة شرق ليبيا نفسها، وبموقع الكفرة والجنوب داخل شبكة الأمن والحرب الممتدة من بنغازي إلى دارفور.

كما أن شبكة العلاقات بين دوائر معسكر حفتر والقوى المحيطة بالسودان ليست وليدة الحرب الحالية.

قبل اندلاع الحرب السودانية كانت هناك اتصالات بين دوائر حفتر وحميدتي، بما في ذلك لقاء الصديق حفتر مع حميدتي في السودان.

أما بعد اندلاع الحرب، فقد أصبح الجنوب الليبي جزءاً من الجغرافيا التي تدور حولها تقارير متكررة عن حركة السلاح والمقاتلين والوقود.

وهنا تظهر أهمية صدام حفتر مرة أخرى.

فالرجل الذي يتحرك الآن بين بنغازي وأنقرة وواشنطن وأنجمينا يتحرك في قلب المنطقة نفسها التي باتت الحرب السودانية تضغط عليها.

## الجنوب الليبي: برمودا الأمن الإقليمي

هنا نصل إلى المكان الذي قد يكون مفتاح قراءة ليبيا المقبلة.

الجنوب ليس مجرد مساحة واسعة تحت نفوذ قوات الشرق.

إنه منطقة تلتقي فيها أزمات متعددة: السودان، تشاد، النيجر، الهجرة، الذهب، السلاح، الوقود، المقاتلون والنفوذ الخارجي.

من الكفرة إلى العوينات وفزان، تتحرك شبكة من الفاعلين يصعب اختزالها في دولة أو جيش واحد.

يمكن وصف الجنوب بأنه **برمودا أمنية**؛ ليس لأنه خالٍ من الدولة، وإنما لأنه مزدحم بالفاعلين أكثر مما هو ممتلئ بالمؤسسات.

قوات حفتر، وتشكيلات محلية، وقبائل، وشبكات تهريب، ومجموعات تشادية، ومقاتلون سودانيون، وشبكات مرتبطة بفضاء الساحل، ومصالح تمتد من مصر والإمارات إلى تركيا والولايات المتحدة وروسيا.

وفي هذه الجغرافيا تحديداً تصبح عملية توحيد المؤسسة العسكرية الليبية اختباراً يتجاوز السياسة الداخلية.

فالجيش الموحد يفترض أن يكون قادراً على السيطرة على الحدود.

أما إذا بقيت الحدود تعمل عبر ترتيبات خاصة وشبكات محلية وقنوات غير رسمية، فإن توحيد القيادة في طرابلس وبنغازي سيكون وحدة على الورق أكثر منه وحدة على الأرض.

## أربعة مؤشرات تكشف ليبيا المقبلة

**أولاً: هل يتحول الجنوب من مجال نفوذ إلى مجال دولة؟**

معسكر حفتر يملك حضوراً عسكرياً واسعاً في الجنوب، لكن السيطرة العسكرية ليست الدولة.

الدولة تعني حدوداً تابعة لقيادة واحدة، وأجهزة أمن واستخبارات، ونقاط مراقبة، وقواعد واضحة للتعامل مع التهديدات، وإدارة للموارد وحركة السكان.

ولهذا ستكون إعادة ترتيب القوات في الجنوب والتعاون الأمني مع تشاد وإدارة الحدود مؤشرات مهمة على ما إذا كان الشرق يحاول تحويل نفوذه العسكري إلى وظيفة دولة.

**ثانياً: صدام حفتر.**

الحركة بين واشنطن وأنقرة وتشاد ليست تفصيلاً.

إنها تعني أن صدام بدأ يتحرك خارج الإطار المحلي لمعسكر الشرق.

والسؤال هو: هل يتحول إلى جزء من مؤسسة عسكرية وطنية، أم يصبح مركز قوة مستقلاً داخل الدولة؟

**ثالثاً: هل توحد ليبيا مؤسساتها أم تعيد توزيع القوة؟**

هذه هي العقدة الأساسية.

قد يجلس الشرق والغرب معاً، وقد تتحدث تركيا مع حفتر، وقد تتحرك مصر وواشنطن لدعم الوحدة، لكن كل ذلك لا يكفي إذا بقي الجيشان جيشين، والاستخبارات مقسمة، والحدود تدار عبر شبكات مختلفة.

**رابعاً: الجنوب سيكشف الحقيقة.**

يمكن أن تبدو ليبيا موحدة في صور الاجتماعات.

لكن الكفرة وفزان والعوينات والمثلث الحدودي ستقول الحقيقة.

إذا تمكنت الدولة من ضبط حدودها الجنوبية، والتعامل مع تداعيات حرب السودان، وتنظيم علاقتها بتشاد والنيجر، وتقليص دور الشبكات المسلحة والعابرة للحدود، فسيكون ذلك دليلاً على أن الدولة بدأت تستعيد احتكارها للقوة.

أما إذا بقي الجنوب مفتوحاً للشبكات والسلاح والمقاتلين والقوى الخارجية، فإن ما يحدث في طرابلس وبنغازي سيكون أقرب إلى تسوية بين مراكز القوة منه إلى بناء دولة.

## من قتل المنصوري؟ ليس السؤال الوحيد

حتى الآن لا نعرف من قتل فوزي المنصوري، ولا توجد معلومات كافية لإسناد العملية إلى طرف بعينه.

لكن قيمة الحدث لا تكمن دائماً في معرفة القاتل فوراً.

أحياناً تكمن في المكان واللحظة.

قُتل المنصوري في بنغازي.

وفي اليوم التالي كانت تركيا تنفذ زيارة مقررة مسبقاً تشمل طرابلس وبنغازي، في وقت كانت فيه أنقرة قد فتحت بالفعل قناة مباشرة مع شرق ليبيا.

وقبل ذلك كان صدام قد دخل واشنطن، والتقى فيدان في أنقرة، ثم تحرك إلى تشاد.

وفي الخلفية كانت القاهرة وواشنطن وأنقرة تتحرك، كل من زاويته، حول مستقبل المؤسسات الليبية.

وفي الجنوب، كانت تداعيات الحرب السودانية تضغط على ليبيا وتشاد والحدود المشتركة.

والإمارات، بوصفها الحليف الإقليمي الأبرز لمعسكر حفتر، حاضرة في خلفية معادلة الشرق، بينما تظهر في تقارير وتحقيقات دولية مسارات لوجستية تربط المجال الإماراتي والليبي بالحرب السودانية.

هذه ليست بالضرورة قصة واحدة.

لكنها **لحظة واحدة**.

لحظة بدأت فيها ليبيا تتحرك من سؤال الحرب إلى سؤال الدولة.

## إلى أي ليبيا يقود كل هذا؟

ربما لا تقود هذه التحولات إلى ليبيا ينتصر فيها الشرق على الغرب، أو الغرب على الشرق.

وربما لا تقود إلى مصالحة كاملة بالمعنى التقليدي.

السيناريو الأكثر واقعية قد يكون أكثر تعقيداً:

دولة ليبية واحدة، لكن بثقل كبير لمراكز القوة التي نشأت خلال سنوات الانقسام.

يدخل الشرق إلى الدولة، لكنه لا يدخلها خالي اليدين.

وتحتفظ تركيا بعلاقاتها مع الغرب، لكنها لا تتجاهل الشرق.

وتحافظ مصر على موقعها القوي في الشرق، لكنها تتعامل مع مسار لا يستبعد أنقرة.

وتحاول واشنطن دفع الأطراف نحو صيغة تمنع تحول الانقسام إلى وضع دائم.

وتظل الإمارات لاعباً رئيسياً في معادلة الشرق.

لكن السؤال الحاسم هو:

**هل تتحول هذه القوى من رعاية مراكز النفوذ إلى رعاية بناء الدولة؟**

الإجابة لن تظهر في بيانات الوزراء.

ستظهر في الجيش.

وفي الاستخبارات.

وفي الحدود.

وفي الجنوب.

ولهذا فإن اغتيال فوزي المنصوري، مهما كانت دوافعه، يفتح نافذة على لحظة أكبر من صاحبه.

رجل كان جزءاً من المؤسسة الأمنية في الشرق قُتل في بنغازي، فيما كانت المؤسسة نفسها تدخل مرحلة مختلفة من الانفتاح على الغرب الليبي والخارج.

لكن الأهم أن الرجل الذي أمضى سنوات في الجنوب غاب في اللحظة التي أصبح فيها الجنوب واحداً من أكثر الملفات حساسية في الأمن الإقليمي.

هناك، في الكفرة وفزان والعوينات، تلتقي ليبيا بالسودان وتشاد والنيجر.

وهناك تتقاطع الدولة مع الحرب، والجيش مع القبيلة، والحدود مع طرق التهريب، وبنغازي مع دارفور، وأنقرة والقاهرة وأبوظبي وواشنطن مع شبكة مصالح تمتد عبر الصحراء.

لذلك فإن السؤال النهائي ليس من المستفيد من غياب المنصوري، ولا هل يستطيع حفتر تعويضه.

السؤال الأكبر هو:

**هل تستطيع ليبيا أن تنقل القوة والمعرفة والحدود من شبكات الرجال إلى المؤسسات؟**

إذا حدث ذلك، فإن ليبيا تكون قد بدأت فعلاً الخروج من زمن الانقسام إلى دولة واحدة، حتى لو احتفظ الشرق والغرب بمراكز ثقلهما.

أما إذا بقيت المؤسسات واجهة، وظلت الصحراء الجنوبية تعمل بمنطق الشبكات والقوى المتنافسة، فإن ليبيا لن تكون قد توحدت.

ستكون فقط قد أعادت ترتيب انقسامها.

ولهذا فإن الطريق إلى ليبيا المقبلة لا يبدأ من طرابلس وحدها، ولا ينتهي في بنغازي.

إنه يمر جنوباً.

**من بنغازي إلى الكفرة.**

**ومن الكفرة إلى دارفور.**

**ومن تشاد إلى النيجر.**

ثم يعود إلى بنغازي مرة أخرى.

وهناك، في الصحراء التي تبدو بعيدة عن مراكز القرار، سيظهر الاختبار الحقيقي:

**هل أصبحت ليبيا دولة واحدة بالفعل، أم أن مراكز القوة القديمة بدأت فقط تتعلم كيف تعيش داخل دولة جديدة؟**

مقالات ذات صلة