*من آلية التشاور الرباعية ومنطق الدفاع الجماعي إلى أمن البحر الأحمر.. كيف قادت سلاسل التحركات إلى مائدة العلمين؟*

غابت مصر عن اتفاق مكة.. فهل كان بنيان المنطقة يفقد عموده؟

من آلية التشاور الرباعية ومنطق الدفاع الجماعي إلى أمن البحر الأحمر.. كيف قادت سلاسل التحركات إلى مائدة العلمين؟

الأكيدة – عمار عوض

بقدر ما كانت صور قادة السعودية وتركيا وباكستان وهم يوقعون في مكة اتفاقًا للدفاع المشترك تحمل من دلالات القوة ما يكفي لإشعال الخيال، كان في الصورة فراغ يصعب تجاهله.

مقعد رابع لم يكن هناك.

مصر.

الدولة التي لم تكن بعيدة عن الطريق إلى مكة، بل كانت تسير فيه مع الدول الثلاث منذ أشهر، والتي اجتمع وزراؤها مع نظرائهم السعودي والتركي والباكستاني في آلية تشاور رباعية، لم تدخل الغرفة التي دخلها الثلاثة لتوقيع الاتفاق.

وفي لحظة كهذه، لا يحتاج الصحافي إلى أن يخبر القارئ بما ينبغي أن يشعر به.

يكفي أن يرى الصورة.

ثلاث دول توقع اتفاقًا يقوم على مبدأ أن الهجوم المسلح على إحداها يُعامل باعتباره هجومًا عليها جميعًا.

والدولة الرابعة، التي كانت حاضرة في مسار التشاور، ليست هناك.

كان السؤال يطل من الصورة نفسها:

هل فقد البنيان أحد أعمدته قبل أن يكتمل؟

لم يكن القلق نابعًا من أن مصر دولة عادية في معادلة الشرق الأوسط.

القاهرة واحدة من أعمدة القوة التاريخية في المنطقة، بثقلها العسكري والجغرافي، وبموقعها عند ملتقى الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط.

ولم يكن الأمر متعلقًا بمصر وحدها.

فالمنطقة التي تنظر إلى الهجمات المتبادلة، وأمن الخليج والبحر الأحمر، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي، واحتمال اتساع رقعة المواجهة، كانت تنظر إلى اتفاق مكة باعتباره محاولة لبناء طبقة أمنية جديدة.

لكن ماذا يحدث للسقف إذا غاب أحد أعمدته؟

والأكثر إثارة أن مصر لم تظهر فجأة في هذا المشهد ثم تختفي.

كانت قد جلست مع السعودية وتركيا وباكستان قبل ذلك.

كانت على الطريق.

كان القطار يتحرك.

وعندما وصل قطار الحجاز إلى محطته، اكتشف الناس أن القاهرة لم تدخل الغرفة.

في الساعات الأولى لم تكن الإجابة واضحة.

لا إعلان مصري يفسر الغياب.

لا إعلان سعودي يتحدث عن خلاف.

لا إعلان تركي يقول إن القاهرة استُبعدت.

كان هناك فقط توقيع ثلاثي وغياب مصري.

وهذا النوع من الفراغ هو الذي يجعل الخيال السياسي يسبق الوقائع.

هل انتهى ما بدأته الدول الأربع؟

هل اختارت مصر البقاء خارج الصيغة؟

هل كان هناك خلاف لم يظهر إلى العلن؟

أم أن اتفاق مكة نفسه كان أضيق من أن يحتوي مصر؟

كان علينا أن ننتظر.

والأهم: كان علينا أن نتتبع الحركة.

لأن الإجابة لم تأتِ في بيان واحد.

جاءت على شكل سلاسل من التحركات، ظهرت واحدة بعد الأخرى، حتى قادت في النهاية إلى مائدة عشاء في العلمين.

وهناك، بعد انتقالات متلاحقة بين القاهرة والرياض ومكة، بدأت الصورة تستقيم.

قبل مكة.. كانت القاهرة على الطريق

في 21 يونيو/حزيران، استضافت القاهرة الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، بدعوة مصرية.

اجتمع بدر عبد العاطي، ومحمد إسحاق دار، وفيصل بن فرحان، وهاكان فيدان حول طاولة واحدة، واستقبلهم الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وأكد البيان المشترك أهمية مواصلة التشاور والتنسيق بين الدول الأربع دعمًا للسلام والأمن والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط والمنطقة الأوسع. كما دعا السيسي إلى تطوير آلية التشاور إلى إطار مؤسسي فاعل قادر على التعامل مع أزمات المنطقة. (SIS)

ولم يكن ذلك اجتماعًا عابرًا.

فالرئيس المصري وصف الدول الأربع بأنها ركائز أساسية للأمن والاستقرار الإقليميين، ودعا إلى تطوير الآلية التشاورية لتصبح إطارًا مؤسسيًا فاعلًا.

أربع دول، لكل منها حساباتها ومصالحها، لكنها اختارت أن تترك بابًا مفتوحًا للتنسيق.

ثم جاءت مكة.

وهنا تغيرت الصورة.

السعودية وتركيا وباكستان وقعت.

مصر لم توقع.

والورقة، مهما حاولنا تخفيف دلالتها، كانت ثلاثية.

كان ذلك هو الواقع.

لكن ما لم يكن واقعًا هو كل ما قيل حوله.

لم تكن مصر قد أعلنت رفضها.

ولم تكن الدول الثلاث قد أعلنت إقصاءها.

لذلك بقي السؤال مفتوحًا.

وكان علينا أن نترك مساحة للصمت.

فأحيانًا يكون ما لم يُقل أكثر أهمية مما قيل.

8 أغسطس.. فيدان يترك الباب مواربًا

بعد توقيع الاتفاق في 7 أغسطس، جاء أول خيط واضح من أنقرة.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال في 8 أغسطس إن الاتفاق الذي وقعته تركيا والسعودية وباكستان يشبه، من الناحية الفنية، مبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة لحلف الناتو، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الاتفاق ليس موجهًا ضد إيران أو أي دولة بعينها.

والأهم أنه قال إن الرئيس رجب طيب أردوغان يريد توسيع الترتيب ليشمل دولًا أخرى، وإن مصر يمكن أن تكون من الدول المرشحة للانضمام بعد حل بعض المسائل الفنية. (Reuters)

كانت العبارة مهمة، لا لأنها حسمت شيئًا، وإنما لأنها أغلقت بابًا كان يمكن أن يكون أخطر: باب القطيعة.

لكن فيدان لم يقل إن مصر ستوقع.

ولم يقل إن القاهرة رفضت.

ولم يشرح بالتفصيل طبيعة تلك المسائل الفنية.

وهنا ينبغي ألا نفعل ما لم يفعله هو: أن نحول الاحتمال إلى حقيقة.

لكن طبيعة الاتفاق تجعل عبارة «المسائل الفنية» أثقل من أن تمر بلا توقف.

فالالتزام الموقع في مكة ليس مجرد إعلان عام عن التعاون الدفاعي.

إنه يقوم على مبدأ أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الثلاث يُعامل باعتباره هجومًا عليها جميعًا.

وهذا يقترب، من حيث فلسفة الدفاع الجماعي، من منطق المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي، مع فارق جوهري في البنية القانونية والمؤسسية وآليات اتخاذ القرار والتنفيذ.

وفوق ذلك، أوضح فيدان أن الدول الثلاث ستتشاور بشأن درجة وشكل ونوع الدعم الذي قد تطلبه الدولة التي تتعرض للهجوم.

وهنا يصبح «الفني» أكثر تعقيدًا.

متى يتحول الاعتداء على شريك إلى التزام عليك؟

من يحدد أن شرط الدفاع الجماعي تحقق؟

ما نوع الاستجابة؟

عسكرية؟

استخباراتية؟

لوجستية؟

سياسية؟

ومن يملك القرار النهائي؟

هذه ليست تفاصيل إدارية.

إنها تمس صميم القرار السيادي.

لكن مصر لم تقل إن هذا هو سبب عدم توقيعها.

لذلك لا ينبغي لنا أن نقرر نيابة عنها.

كان علينا فقط أن نفهم لماذا يمكن لعبارة «مسائل فنية» أن تخفي خلفها أسئلة كبيرة.

مصر لم تكن غائبة عن الأمن

وسط صخب مكة، كان هناك خيط آخر ربما لم يأخذ حقه من الانتباه.

البحر الأحمر.

في 30 يوليو/تموز، وقبل توقيع اتفاق مكة بثمانية أيام، استضافت الرياض اجتماعًا لرؤساء هيئات الأركان وممثلي الدول لبحث مبادرة سعودية لإنشاء تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسيات.

شارك في الاجتماع ممثلون عن 43 دولة، إلى جانب وفد للاتحاد الأوروبي، من أصل 51 دولة ومنظمة دُعيت إلى الاجتماع.

وناقش المشاركون مشروع الميثاق، والهيكل التنظيمي، وترتيبات القيادة والسيطرة، وآليات التشغيل وخطة العمل المستقبلية. وأعلنت 14 دولة دعمها للمبادرة، بينها السعودية ومصر وتركيا وباكستان وقطر والسودان ونيجيريا ودول أخرى في المنطقة والقرن الأفريقي. (Anadolu Ajansı)

وكانت الأهداف واضحة: تعزيز الأمن البحري، وحماية حرية الملاحة، وتأمين طرق التجارة وإمدادات الطاقة، وحماية المصالح المشتركة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.

والأهم أن الاجتماع لم يبقَ في مستوى الشعارات.

دخل في مسائل الميثاق، والهيكل التنظيمي، والقيادة والسيطرة، والآليات التشغيلية.

وأعلنت السعودية أنها ستكون الدولة المؤسسة والقائدة، وأن مقر التحالف سيكون فيها، مع بقاء المشاركة في أنشطته وعملياته قرارًا سياديًا لكل دولة. (UPI)

هنا ظهرت المفارقة الأولى.

مصر التي لم تدخل اتفاق مكة كانت داخل ترتيب أمني آخر تشارك فيه السعودية وتركيا وباكستان.

لكن هل كان الترتيبان متشابهين؟

ليس تمامًا.

في مكة، هناك التزام دفاعي متبادل بين ثلاث دول.

أما المسار البحري، فيدور حول مهمة أمنية محددة تتعلق بحماية ممرات بحرية ومصالح مشتركة، مع تعدد المشاركين وتفاوت مستويات الالتزام.

وهذا الفرق مهم.

لأنه يمنعنا من اختزال المشهد في ثنائية: مصر مع الحلف أو ضده.

القاهرة لم تكن تقول «لا» للأمن المشترك.

كانت موجودة في مسار آخر.

وكان علينا أن نعرف لماذا.

المفارقة الباكستانية

ثم ظهرت باكستان.

الدولة التي لا تطل على البحر الأحمر كانت ضمن الدول التي دعمت المشروع البحري.

وهذه ليست مجرد مفارقة جغرافية.

إنها تكشف أن الأمن البحري لم يعد شأن الدول المطلة على البحر فقط.

التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد تجعل باب المندب والبحر الأحمر جزءًا من حسابات دول بعيدة جغرافيًا.

باكستان التي وقعت اتفاق مكة كانت أيضًا في مشروع الأمن البحري الذي تشارك فيه مصر.

وهنا بدأ سؤال جديد يظهر:

إذا كانت الدول تستطيع أن تجتمع في البحر الأحمر من دون أن توقع كلها اتفاق مكة، فربما كانت مكة واحدة من طبقات أوسع.

لم يكن ذلك استنتاجًا نهائيًا بعد.

لكنه كان اتجاهًا يستحق المتابعة.

12 أغسطس.. القاهرة والرياض تبقيان الخط مفتوحًا

في 12 أغسطس/آب، تلقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالًا من وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان.

تناول الاتصال التطورات الإقليمية وسبل تعزيز الأمن والاستقرار والتنسيق بين البلدين.

قد يبدو ذلك قليلًا.

لكنه في لحظة كهذه ليس قليلًا.

لأن العلاقات التي تدخل أزمة حقيقية تبدأ عادة بإشارات يمكن رصدها: انقطاع، تصعيد، بيانات متبادلة، أو تغير في اللغة.

لم يظهر شيء من ذلك.

لكن الاتصال وحده لم يكن كافيًا.

كنا بحاجة إلى مشهد لا تستطيع البيانات وحدها أن تمنحه.

وجاء المشهد في اليوم التالي.

13 أغسطس.. مائدة العلمين

في العلمين، اجتمع بدر عبد العاطي مع هاكان فيدان وفيصل بن فرحان.

لكن الصورة لم تكن صورة اجتماع أزمة.

لم تكن هناك قاعة اجتماعات طويلة.

ولا ميكروفونات.

ولا ملفات موضوعة أمام الوزراء.

كانت مائدة عشاء.

الأمير فيصل بن فرحان بالثوب من دون غترة.

وهاكان فيدان وعبد العاطي بالقميص من دون ربطة عنق.

ثلاثة وزراء بعد يوم عمل.

طعام على الطاولة.

وجوه هادئة.

وحديث غير رسمي.

والخارجية المصرية وصفت اللقاء بأنه «أخوي».

هنا، للمرة الأولى، أمكن رؤية شيء لا تمنحه البيانات.

ليس لأن مصر وقعت.

فهي لم توقع.

وليس لأن القاهرة أعلنت انتهاء أزمة.

فلم تكن هناك أزمة معلنة أصلًا.

لكن لأن الصورة بددت شيئًا كان قد بدأ يتشكل في الأذهان منذ مكة:

صورة القطيعة.

كان يمكن أن تظهر القاهرة بعد أيام من غيابها عن التوقيع وهي تجلس مع الوزيرين في اجتماع رسمي، بوجوه جامدة وملفات مغلقة.

لكن الصورة التي اختارت الخارجية المصرية أن تقدمها كانت مختلفة.

ثلاثة رجال حول مائدة.

بملابس غير رسمية.

بعد يوم عمل.

لا ملامح أزمة.

لا مائدة تفاوض.

ولا إعلان عن اتفاق جديد.

فقط جلسة عشاء.

لا يمكن أن نجعل من الملابس وثيقة سياسية.

ولا يمكن أن ندعي معرفة ما دار حول المائدة.

لكن يمكننا أن نقرأ الرسالة التي اختارت القاهرة أن تُظهرها:

الخلاف في درجة الالتزام، إن وجد، لم يتحول إلى قطيعة.

وبعد ستة أيام من مكة، كانت هذه بحد ذاتها إشارة تستحق الانتباه.

مصر كانت في قطار الحجاز.. لكنها لم تدخل الغرفة

ربما لا توجد عبارة تختصر القصة أفضل من ذلك.

مصر كانت في الطريق إلى مكة.

كانت في آلية التشاور.

كانت مع السعودية وتركيا وباكستان.

وكانت في المسار البحري.

كان القطار يتحرك.

لكن عندما وصل إلى محطته، لم تدخل القاهرة الغرفة التي وقعت فيها الدول الثلاث اتفاقها.

وهنا تغير السؤال.

لم يعد:

لماذا غابت مصر؟

بل:

ماذا يعني غيابها إذا كانت لا تزال تعمل مع الذين وقعوا؟

ولم تكن الإجابة قد اكتملت.

جاء الخيط التالي في صباح الجمعة.

14 أغسطس.. باكستان تعود إلى القاهرة

تلقى عبد العاطي اتصالًا من نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار.

وبحسب الخارجية المصرية، بحث الوزيران التطورات الإقليمية وسبل تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والدفاعية، إلى جانب الترتيبات الأمنية الإقليمية.

وهنا أصبحت لدينا واقعة يصعب تجاهلها.

باكستان وقعت في مكة.

ثم تحدثت مع مصر عن الأمن والدفاع.

فيدان وقع مع باكستان والسعودية.

ثم جلس مع عبد العاطي وفيصل في العلمين.

والسعودية وقعت مع تركيا وباكستان.

ثم واصلت التنسيق مع القاهرة.

شيئًا فشيئًا، بدأت الخيوط التي بدت في مكة متباعدة تعود إلى بعضها.

لكن هذه المرة ظهر شيء أهم.

القاهرة نفسها بدأت تقول شيئًا عن سبب عدم التوقيع.

فبدل أن يبقى «الفني» مصطلحًا تركيًا غامضًا، ظهر من الجانب المصري أن اتفاق مكة يخضع للدراسة القانونية والدستورية قبل اتخاذ قرار بشأن الانضمام.

وهنا تغيرت دلالة الغياب.

لم تعد مصر خارج الاتفاق بالضرورة لأنها تقول «لا».

ولم تصبح داخله لأنها قالت «نعم».

هي في منطقة ثالثة أكثر تعقيدًا:

تدرس.

وهذا فرق كبير.

فالقرار الذي يبدو بسيطًا في الصورة — أن توقع مصر مع الدول الثلاث أو لا توقع — يمكن أن يكون بالنسبة إلى الدولة المصرية مرتبطًا بأسئلة قانونية ودستورية تتصل بطبيعة الالتزام الذي ستدخله ومدى توافقه مع أطرها القانونية والدستورية.

وفجأة، أصبح الغياب أقل غموضًا، من دون أن يصبح محسومًا.

قطر قالت نعم.. والإمارات خارج قائمة الأربعة عشر

في 30 يوليو، كانت قطر ضمن الدول الأربع عشرة التي أعلنت دعمها للتحالف البحري.

أما الإمارات فلم تكن ضمن قائمة الدول الأربع عشرة الموقعة على بيان الدعم. وتضم القائمة، وفق التقارير المنشورة عن البيان السعودي، السعودية والكويت والبحرين وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن واليمن وبنغلاديش ونيجيريا والسودان وجيبوتي والصومال. (UPI)

وهنا يجب أن نبقى عند حدود ما نعرفه.

غياب الإمارات عن القائمة موثق.

لكن لا ينبغي تحويله تلقائيًا إلى رفض إماراتي.

الصمت ليس رفضًا، والانتظار ليس انسحابًا.

لكن في مرحلة تتشكل فيها ترتيبات أمنية جديدة، يصبح السؤال عن موقع كل دولة مشروعًا.

قطر قالت نعم لهذا المسار.

ومصر كانت موجودة فيه رغم غيابها عن اتفاق مكة.

وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي بدأت تجعل الصورة أكبر من مجرد اتفاق ثلاثي.

من الحلف إلى الشبكة

هنا تبدأ الصورة الأكبر.

اتفاق مكة يمنح ثلاث دول مستوى مرتفعًا من الالتزام الدفاعي، ويعمل على تحويل هذا الالتزام إلى آليات سياسية وعسكرية أكثر انتظامًا، تشمل لجنة وزارية وأمانة عامة وترتيبات للتعاون والتدريبات والصناعات الدفاعية. (Reuters)

التحالف البحري يتحرك حول وظيفة أمنية محددة، بمشاركة دول كثيرة.

والآلية الرباعية توفر منصة للتشاور.

والشراكات الثنائية تضيف طبقات أخرى من الدفاع والتدريب والتكنولوجيا والمصالح الاستراتيجية.

لا توجد غرفة واحدة تجمع الجميع.

ولا توجد ورقة واحدة تلزم الجميع بالدرجة نفسها.

وهذا تحديدًا ما يجعل غياب مصر عن توقيع مكة أقل دلالة على الانقسام مما بدا في الساعات الأولى.

لأن البنيان لم يكن قائمًا على عمود واحد أصلًا.

كان يتكون من أعمدة متقاطعة.

مكة ليست الرياض.

والتحالف البحري ليس آلية التشاور الرباعية.

والتشاور السياسي ليس التزامًا دفاعيًا.

والعلاقة الثنائية ليست بالضرورة تحالفًا.

ومع ذلك، يمكن لهذه المسارات كلها أن تعمل في الاتجاه نفسه من دون أن تتطابق.

وهنا تظهر واحدة من أهم تجليات الشراكات الأمنية المرنة.

ليست منظومة واحدة ذات عضوية مغلقة، بل شبكة من الترتيبات المتقاطعة، تتفاوت فيها درجات الالتزام بحسب طبيعة الملف والمصلحة والقدرة والاستعداد السياسي والقانوني لكل دولة.

قد تلتقي دولتان في الدفاع المشترك، وتلتقيان مع دولة ثالثة في أمن الملاحة، ومع رابعة في التشاور السياسي، من دون أن يعني ذلك أن هذه الدول الأربع أصبحت حلفًا واحدًا.

وهذه المرونة ليست بالضرورة علامة ضعف.

في منطقة شديدة التعقيد، قد تكون هي بالذات مصدر القوة والاستمرارية.

من «مع من أنت؟» إلى «في ماذا نعمل معًا؟»

ربما هذه هي الجملة التي تختصر ما اكتشفناه بعد تتبع الخيوط.

السؤال القديم كان:

مع من أنت؟

لكن الوقائع التي جاءت بعد مكة دفعتنا إلى سؤال مختلف:

في ماذا نعمل معًا؟ وإلى أي مدى؟

مصر لم تدخل اتفاق مكة.

لكنها بقيت في المسار البحري.

تركيا دخلت مكة.

لكنها جلست مع مصر.

باكستان دخلت مكة.

لكنها واصلت التنسيق مع القاهرة.

السعودية دخلت مكة.

لكنها لم تغلق باب العمل مع مصر.

وقطر دعمت المسار البحري.

أما الإمارات فلم تكن ضمن قائمة الدول الأربع عشرة الداعمة لذلك البيان.

هذه ليست خريطة محاور مغلقة.

إنها شبكة مصالح.

وكل دولة تختار مستوى التزامها وفق الملف.

وقد يكون هذا هو التحول الأهم الذي تخفيه ضجة الاتفاق.

أن الدول لا تعود مضطرة إلى الاختيار بين «كل شيء» و«لا شيء».

يمكن أن تكون داخل ترتيب دفاعي محدد، وفي الوقت نفسه داخل ترتيب بحري أوسع، وآلية تشاور، وشراكات ثنائية.

ليس المطلوب أن تتطابق كل المصالح.

المطلوب ألا ينقطع الخيط.

البنيان لم يسقط.. بل تغيّر شكله

في مكة، دخل ثلاثة إلى الغرفة.

مصر لم تدخل.

وكان ذلك كافيًا لكي يبدو، ولو للحظة، أن البنيان الذي بدأ بناؤه يفقد عموده.

لكننا، بعد أن عدنا إلى الطريق، وجدنا القاهرة في المشاورات.

ووجدناها في البحر الأحمر.

ووجدناها على الهاتف مع الرياض.

ثم وجدناها في العلمين، حول مائدة عشاء مع الوزيرين التركي والسعودي.

وفي صباح اليوم التالي وجدناها تتحدث مع باكستان عن الأمن والدفاع والترتيبات الإقليمية.

ثم ظهر التفسير المصري الأكثر وضوحًا: الاتفاق قيد الدراسة القانونية والدستورية قبل اتخاذ قرار بشأن الانضمام.

لم توقع مصر.

وهذه حقيقة.

لكنها لم تنسحب.

وهذه حقيقة أخرى.

ولم نصل إلى الثانية من تصريح واحد.

وصلنا إليها من تتابع الحركة.

من 30 يوليو إلى 7 أغسطس.

ومن 8 أغسطس إلى 12 أغسطس.

ومن 13 أغسطس إلى 14 أغسطس.

من الرياض إلى مكة.

ومن مكة إلى القاهرة.

ومن القاهرة إلى العلمين.

ومن العلمين إلى الاتصال الباكستاني.

وهنا فقط نفهم أن قصة مكة لم تكن قصة غائب وحاضر.

كانت قصة درجات مختلفة من الالتزام داخل بنية واحدة تتشكل أمام أعيننا.

في مكة وُقّع الاتفاق.

وفي الرياض بدأ بناء الترتيب البحري.

وفي القاهرة استمرت آلية التشاور.

وفي العلمين نجا البناء من اختبار التوقيع.

أما المشهد الذي بقي في الذاكرة، فكان أبسط من كل البيانات.

ثلاثة رجال حول مائدة.

بعد يوم عمل.

ثوب بلا غترة.

وقميصان بلا ربطة عنق.

وجوه مرتاحة.

كأن الصورة تقول دون أن تنطق:

لم نتفق على كل شيء.. لكننا ما زلنا نعمل معًا.

في مكة لم تدخل مصر الغرفة.

لكنها لم تغادر المبنى.

وهنا اكتشفنا، ونحن نتتبع الخيوط، أن المبنى نفسه كان أكبر مما ظننا.

لم يكن حلفًا واحدًا.

كان طبقات:

دفاع مشترك.

وأمن بحري.

وتشاور سياسي.

وشراكات ثنائية.

والتزام بدرجات مختلفة.

وهكذا تظهر واحدة من أهم تجليات الشراكات الأمنية المرنة في المنطقة.

لا لأنها شبكات رخوة.

بل لأنها قد تكون أكثر قدرة على البقاء في منطقة لا تستطيع دولها أن تتفق على كل شيء، لكنها لا تستطيع أيضًا أن تعيش منفصلة عن بعضها.

فالحلف المغلق يسأل الدولة:

هل أنت معنا؟

أما الشبكة فتسأل:

في ماذا نستطيع أن نعمل معًا؟

وربما يكون هذا هو أهم ما كشفه غياب مصر عن مكة.

أن العمود الذي خفنا أن يكون قد سقط، لم يسقط.

كان فقط خارج الغرفة.

وأن البنيان الذي خفنا أن يتهدم، ربما كان يتعلم للمرة الأولى كيف يقف على أكثر من عمود.

وهنا بالضبط تبدأ قصة «الأكيدة» للسنوات الخمس المقبلة.

مقالات ذات صلة