عذراً حكاوي من زمن الحرب، فالمقام عند حضرة المصطفى روحٌ تغطيها السلام. هاهنا تتراجع زغاريد الرصاص، وتخفت صدمات الفقد، ويبطل سحر الوجع الذي أثقل كواهلنا في العوالم الضيقة. ليست الهجرة إلى طِيبة رحلةً عبر المسافات، بل هي ارتقاءٌ عبر الطبقات الروحية؛ فرارٌ من رماد الفتنة إلى منبع الرحمة الإلهية، حيث تتلاشى الأحقاد وتتطهر الأرواح من أدران السلاح، لتلتقي عند العتبات الشريفة كأمثال النقطة في دائرة الوجود.
وقد لاحت القبة الخضراء في أفق الشوق، زمردةً تتلألأ تحت أجنحة السكينة، كأنها قلبُ الوجود الذي ينبض بالرحمة، فتهادت الأرواح تسعى نحوها قبل الأقدام. في هذه اللحظة الفاصلة، ينسكب الذهول على الجوارح، فلا تعود العين تُبصر حجارةً أو مآذن، بل تشهد نوراً سرمدياً طوى الأبعاد وحلّ في حُجب القلب. هاهنا يخلع السالك نعليه على أعتاب “الروضة الشريفة”، لا امتثالاً للشرط المكاني فحسب، بل تجرداً من كل حظوظ النفس وأوهام الذات. أترانا حللنا ببابك يا حبيب الروح، أم أن النفحات هي التي طوت القفار ونادتنا من أزل العشاق؟
ما أروع أن يصطفينا المكان ونكون بقربه في ليلة ميلاده (صلى الله عليه وسلم)؛ إن هذا الاصطفاء ليس مجرد جغرافيا جمعت أجساداً، بل هو ميقاتٌ روحيٌ تنزلت فيه أملاك السماء، واستعادت فيه الأرض فجرها الأول. في ليلة الميلاد الشريف، يتعانق الزمان والمكان في حالة تجلٍّ صوفية فائقة؛ حيث يغدو الذكر عبيراً يُنشق، ويهطل الاستغفار كالمطر على القلوب العطشى. هنا، في حضرة صاحب المقامات، تتدفق المودة كالنهر السلسال، وتغدو النفس الركيكة صلبة بإيمانها، مشدودةً بلطائف القرب النبوي.
إنها “طيبة”، مفتاح المدى لكل سالك، ومرفأ الأمان لكل حائر أضنته صراعات البشر. هاهنا تسقط كل الحكايا والذريعات، فليس في حضرة النور مكانٌ لظلمة الحرب. نطوي بين حنايانا في هذا المقام قبساً من نوره الأبدي، ليكون سراجنا إذا عدنا إلى دياجير العالم، وطبّاً لأرواحٍ كلّت من رحلة الفناء. طوبى لمن زار، وطوبى لمن غشته السكينة، فعاد من حضرة المصطفى وهو يحمل في قلبه السلام الذي لا يزول.
ونواصل …




