*مفتاح المدى حكاوي من زمن الحرب ما بين «قالوا»… و«قلنا»… و«سمعنا»… و«بس» بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

قبل الحرب وبعدها، أصبحت أربع كلمات بسيطة هي المحور الذي يدور حوله كل شيء تقريباً:
قالوا… قلنا… سمعنا… وبس.
كلمات تبدو عابرة، لكنها في واقعنا أصبحت قادرة على تكوين فكرة، وتغيير مفهوم، وصناعة قرار، بل وأحياناً رسم توجه دولة بأكملها.
والأغرب أن الحكاية في كثير من الأحيان لا تبدأ من تقرير لجنة، ولا من دراسة، ولا من أرقام وإحصاءات، وإنما من ونسة شاي أو قعدة جبنة.
يقول واحد:
( قالوا…)
ويرد الآخر:
( سمعنا…)
ثم يأتي ثالث:
( قلنا….)
وفي نهاية الونسة يولد القرار، وتبقى كلمة واحدة لتغلق النقاش:
( بس!)
وهكذا تتحول المعلومة من ونسة إلى قناعة، ومن القناعة إلى قرار، ومن القرار إلى واقع يعيشه الناس.
المشكلة ليست في أن الناس تتحدث؛ فالحديث طبيعة البشر، والمعلومات تتداول، والآراء تختلف.
المشكلة تبدأ عندما تتحول الونسة إلى معلومة رسمية، والمعلومة إلى حقيقة مطلقة، والحقيقة إلى قرار لا يحتمل المراجعة.
وهنا نكتشف أننا أمام نظرية إدارية جديدة يمكن تسميتها:
( الظن أكيت من اليقين!)
تقرر الدولة العودة الطوعية للنازحين، لكن «الطوعية» تتحول سريعاً إلى إلزامية على طريقة:
( ترجعوا بس !)
وتقرر عودة الجامعات.
قد تكون عودة التعليم ضرورة، وقد يكون أصل القرار صحيحاً، لكن المشكلة تبدأ حين تختصر كل التفاصيل الإنسانية في عبارة:
( تعود بس!)
فطالبة جامعية كانت في القاهرة ترافق والدتها المريضة وتقوم على رعايتها، تجد نفسها أمام قرار العودة إلى الدراسة دون أن يكون أمامها خيار حقيقي.
فتعود الطالبة…
وتترك أمها المريضة خلفها.
ومن يرعى الأم؟
الجيران.
أي والله… الجيران!
هنا تتحول الجملة الإدارية القصيرة إلى قصة إنسانية كاملة.
فالقرار الذي يبدو بسيطاً على الورق قد يكون ثقيلاً جداً على إنسان يعيشه.
ليس كل طالب قادراً على العودة، وليس كل موظف قادراً على الانتقال، وليس كل أسرة لديها بيت جاهز تنتظرها عودتها إليه.
فالعودة ليست مجرد انتقال من مكان إلى مكان؛ إنها حياة كاملة تحتاج إلى أن تُبنى من جديد.
وهناك موظف آخر لم يكن له من الحرب إلا نصيب الخسارة.
في لمحة بصر، ضاع كل ما يملك.
بيت كان يأويه… لم يعد موجوداً.
وسيلة سفر كان يعتمد عليها… ضاعت.
مدخرات جمعها سنوات… تبخرت.
ومصدر دخل كان يجعل حياته مستورة وكريمة… انقطع.
خرج من الحرب لا يحمل إلا ما استطاع أن ينقذه، وبعض الأوراق التي تثبت أنه كان، ذات يوم، يملك بيتاً وعربة ووظيفة وحياة.
ثم يصطدم بقرار آخر:
( ترجعوا بس!)
يرجع إلى أين؟
إلى بيت لم يعد موجوداً؟
وبأي وسيلة؟
وبأي دخل؟
وبأي حياة؟
هنا تصبح كلمة «بس» ثقيلة جداً على من فقد كل شيء.
فالمواطن الذي يُطلب منه الرجوع لا يحتاج فقط إلى أمر بالعودة، بل يحتاج إلى مكان يعود إليه، ووسيلة تحمله، ودخل يسنده، وأمان يطمئنه، وشيء من الكرامة التي تحفظ للإنسان معنى الحياة.
ومن هنا نفهم أن المشكلة ليست دائماً في الفكرة نفسها.
فقد تكون الفكرة صحيحة، والغاية نبيلة، لكن التنفيذ يأتي بعيداً عن الواقع، فيتحول الإصلاح إلى عبء، والقرار إلى أزمة جديدة.
وهذا ما يظهر أيضاً في ملف الخدمة المدنية.
تُطرح مقترحات لتقليل أعباء الهيكل الراتبي وأعداد الموظفين، فيرفضها الناس، ثم يظهر فجأة من يقول:
(افصلوا الناس البرّه بالقانون… وارجعوا بس!)
ولما نسأل: لماذا؟
تأتي الإجابة: ( سمعنا إنو في ناس اشتغلت برّه!)
وهكذا تصبح معلومة غير مكتملة أقوى من ملف خدمة، وأسرع من تحقيق، وأعلى صوتاً من دراسة.
مؤسسات تعمل وتجتهد، وأفراد يحملون الهم والقضية على أكتافهم، ثم يأتي «سمعنا» في لحظة واحدة ليهزم سنوات من العمل.
بدلاً من:
( اعقلها وتوكل) تصبح القاعدة: ( اسمعها وطبّق!)
وحين تقع الأزمات، لا يتغير المنهج كثيراً.
تغلي الشوارع بأزمة وقود طاحنة، وتمتد صفوف السيارات كيلومترات أمام المحطات، ويبيت الناس في عرباتهم بحثاً عن جالون بنزين او جازولين.
ثم يخرج مسؤول كبير على التلفزيون ليقول إن الأزمة مفتعلة، وإن الوقود موجود في المستودعات والموانئ، وإن المواطنين يحبون التخزين والوقوف في الصفوف!
يا سلام!
بدلاً من البحث في الإمداد والنقل والتوزيع والتدفق والرقابة، يصبح المواطن هو المتهم الأول.
وهكذا، بدلاً من حل الأزمة، نكتشف أن المشكلة كلها في المواطن الذي—على ما يبدو—قرر أن يحوّل بيته إلى مستودع بترول!
تجو… وبس!
ثم تأتي قرارات حظر استيراد بعض السلع الاستهلاكية باعتبارها «غير ضرورية» أو «كماليات»، تحت عناوين ترشيد النقد الأجنبي ودعم الإنتاج المحلي.
ومن بينها:
الأرز والفول المصري.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
متى أصبح الأرز والفول من الكماليات؟
نحن لا نتحدث عن كافيار ولا عن أطباق في مطاعم خمس نجوم.
نحن نتحدث عن رز وفول؛ الأكلة التي كانت ملاذ الموظف آخر الشهر، وسند الطالب، وعشاء الأسرة حين تتعب الميزانية من المقاومة.
لكن يبدو أن الزمن تغيّر، وأصبح حتى الفول يحتاج إلى إذن دخول، والأرز صار من الرفاهيات.
وبكرة يمكن أن نسمع:
( تم حظر الهواء مؤقتاً… لأنه من الكماليات!)
نضحك، ثم نتذكر أن وراء كل قرار مواطناً سيدفع ثمنه.
وهنا تنتهي السخرية، ويبدأ السؤال الحقيقي:
من يفكر في الإنسان الذي يقف خلف القرار؟
ومع ذلك، كلنا نتمنى أن نرجع.
نعم… نريد أن نرجع.
نريد أن نشتم رائحة ذكرياتنا على الجدران، ونبحث عن أحلامنا التي سرقتها الحرب، ونمشي في الطرقات التي خطونا فيها أجمل سنوات العمر.
نريد أن ندخل بيوتنا، أو حتى نقف أمام أطلالها، ونقول:
هنا كنا.
نريد أن نزور قبور من أحببنا وفقدنا، فكم نشتاق إلى الوقوف فوقها، وقراءة الفاتحة، والحديث معهم في صمت لا يسمعه إلا القلب.
نريد أن نبارك الأفراح، ونعزّي من فقدنا، ونلتقي بمن فرقتنا عنهم الحرب، ونستعيد شيئاً من حياة كنا نظن أنها ستبقى لنا إلى الأبد.
كل مواطن سوداني يتمنى الرجوع اليوم قبل غد.
فلا أحد يحتاج إلى أن يقنعه بالعودة.
ولا يحتاج إلى ( متلازمة بس).
هو يحتاج إلى متلازمة واحدة فقط…
ومعادلة واحدة لا تحتاج إلى لجنة ولا ونسة ولا «قالوا» ولا «سمعنا)
العودة + الأمان + الكرامة = السترة.
فالناس لا تريد المستحيل.
تريد أن تعود، فتجد مكاناً آمناً، وحياة يمكن أن تبدأ، وستر الحال.
لذلك، قبل أن نقول للمواطن:
(ارجع بس)
علينا أن نوفر له ما يجعله يستطيع أن يرجع.
فالمشكلة ليست دائماً في الفكرة…
أحياناً المصيبة كلها في التنفيذ.
وما زال المواطن السوداني حبيساً بين:
ذكاء فكرة… وغباء تنفيذ.
أما ( بس)…
فقد سمعناها بما يكفي.
ما نريده الآن هو السترة …. وربك يستر… وبس
ونواصل …. mashahid3000@gmail.com

مقالات ذات صلة