*نيران البيانات تصير جمرا تحت الرماد إريتريا ترد على إثيوبيا: عَصَب مكشوفة.. ودهلك هي العمق الدفاعي*

 

أسمرا: عمار عوض

لم تقل إثيوبيا اسم عَصَب في بيان وزارة خارجيتها، لكنها قالت ما جعل الميناء الإريتري حاضرًا بين السطور.

وبعد يوم واحد من إعلان العلمين الذي جمع مصر وإريتريا والسودان والصومال، وجاء فيه أن إدارة البحر الأحمر «المسؤولية الحصرية للدول المشاطئة»، عادت وزارة الخارجية الإثيوبية في 5 أكتوبر للحديث عن الارتباط الجغرافي والتاريخي لإثيوبيا بالبحر الأحمر، مؤكدة أن أقرب نقطة من حدودها تبعد «30 ميلًا» فقط عن الساحل، وأن أي نقاش جاد حول الشؤون البحرية والأمن الإقليمي يجب أن يأخذ المصالح الإثيوبية في الاعتبار.

لكن أسمرا اختارت في ردها ألا تناقش المسافة.

ذهبت مباشرة إلى عَصَب.

وفي بيان نشره وزير الإعلام الإريتري يماني غبري مسقل، هاجمت أسمرا ما وصفته بازدواجية الخطاب الإثيوبي، قبل أن تنتقل إلى النقطة الأكثر حساسية في البيان: التصور المتعلق بميناء عَصَب والساحل الجنوبي وجزر دهلك.

وقال البيان إن التصور الإثيوبي بشأن عَصَب «لا يقتصر على الميناء وحده، بل يمتد ليشمل المنطقة الساحلية الجنوبية أيضًا».

ثم أورد العبارة الأكثر دلالة:

[«من دون العمق الدفاعي الذي توفره جزر دهلك، يظل عَصَب منشأة ساحلية مكشوفة ومعرّضة لقوة بحرية معادية…»]

وهنا تغير مسار البيان.

فالجملة لا تعلن حربًا، ولا تقول إن إريتريا ستستخدم القوة، ولا تحدد من هي «القوة البحرية المعادية». لكنها تضع عَصَب ودهلك في معادلة واحدة، وتتعامل مع الميناء لا باعتباره مجرد منفذ إلى البحر، وإنما منشأة ساحلية تحتاج إلى عمق دفاعي.

من 30 ميلًا إلى دهلك

في البيان الإثيوبي، جاءت المسافة بوصفها حقيقة جغرافية تخدم حجة سياسية: إثيوبيا قريبة من البحر، وبالتالي فإن مصالحها يجب أن تكون حاضرة في أي نقاش حول ترتيبات البحر الأحمر.

لم تقل أديس أبابا: عَصَب.

لكنها تحدثت عن القرب الجغرافي والتاريخي، في لحظة تعود فيها قضية الوصول الإثيوبي إلى البحر إلى واجهة النقاش الإقليمي.

الرد الإريتري فعل العكس.

لم يناقش «30 ميلًا» ولم يدخل في حساب المسافة، بل أخذ النقاش إلى الساحل الذي تقع عليه عَصَب، ثم إلى ما وراء الساحل: جزر دهلك.

[«العمق الدفاعي الذي توفره جزر دهلك»].

هذه ليست عبارة جغرافية عابرة.

فحين توصف دهلك بأنها «عمق دفاعي»، تصبح عَصَب جزءًا من منظومة أوسع من مجرد ميناء. ثم تأتي العبارة التالية:

[«يظل عَصَب منشأة ساحلية مكشوفة ومعرّضة لقوة بحرية معادية»].

البيان هنا لا يحتاج إلى القول أكثر.

إنه لا يقول: «سنفعل».

بل يترك للقارئ أن يفهم ماذا يعني أن تكون منشأة ساحلية «مكشوفة» في مواجهة قوة بحرية.

ماذا تريد أسمرا أن تقول؟

على المستوى القانوني، الرسالة واضحة: القرب من البحر لا ينشئ حقًا سياديًا في ساحل دولة أخرى.

وعلى المستوى السياسي، تحاول إريتريا الفصل بين حق إثيوبيا في استخدام موانئ المنطقة تجاريًا، وبين الحديث عن «منفذ سيادي إلى البحر».

ولهذا يقول البيان:

[«في ظل ما يمكن وصفه بـ”سوق المشترين”، تمتلك أديس أبابا هامشًا واسعًا للدخول في اتفاقيات تجارية تحقق المصالح المتبادلة مع جميع الدول الساحلية المعنية»].

لكن حين يصل الحديث إلى عَصَب، يتغير مستوى اللغة.

فالبيان يستحضر أيضًا ما يقول إنه ورد في بيانات إثيوبية سابقة عن أن الحصول على عَصَب لا ينفصل عن المنطقة الساحلية الجنوبية، وعن الحاجة إلى العمق الذي توفره جزر دهلك.

وهنا تصبح المسألة أكبر من ميناء.

خلفية تعيد عَصَب إلى الواجهة

كانت عَصَب منفذ إثيوبيا الرئيسي إلى البحر الأحمر قبل استقلال إريتريا عام 1993، ومنذ أن أصبحت إثيوبيا دولة حبيسة ظل الوصول إلى البحر أحد الملفات الاستراتيجية الكبرى في خطابها.

وفي السنوات الأخيرة، تصاعد الحديث الإثيوبي عن الحاجة إلى منفذ بحري، بينما أصبحت عَصَب تحديدًا من أكثر النقاط حساسية في العلاقة مع أسمرا.

ويأتي الرد الإريتري الحالي وسط توتر متصاعد بين البلدين، بالتزامن مع تجدد القتال في تيغراي، وتبادل إجراءات دبلوماسية حادة.

وفي 5 أكتوبر، عاد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى التأكيد على أهمية حصول بلاده على منفذ إلى البحر الأحمر، قائلًا إن إثيوبيا ستسعى إلى ذلك عبر التفاوض والمنفعة المتبادلة.

وهكذا جاءت عبارة «30 ميلًا» في لحظة لا تبدو فيها الجغرافيا مجرد جغرافيا.

ثلاثة احتمالات

الأول أن يكون البيان رسالة ردع: لا ينبغي أن تتحول المسافة القصيرة إلى تصور بأن الوصول إلى الساحل يعني امتلاك معادلة البحر.

الثاني أن يكون الهدف هو تثبيت خط قانوني وسياسي: إثيوبيا دولة حبيسة، ويمكنها الوصول إلى الموانئ عبر التفاهمات، لكن ذلك لا يمنحها حقًا سياديًا في ساحل دولة أخرى.

والثالث أن تكون أسمرا قد أرادت نقل النقاش من عبارة إثيوبية عامة عن «الوصول إلى البحر» إلى الاسم الذي يعرف الجميع حساسيته: عَصَب.

فإثيوبيا قالت: 30 ميلًا.

وإريتريا قالت: عَصَب ودهلك.

وبين المسافة والميناء والجزر، انتقل النقاش من سؤال القرب من البحر إلى سؤال ما الذي يعنيه الوصول إلى البحر عندما تكون السيادة والقوة البحرية جزءًا من الحساب؟

ولعل أكثر ما يلفت في البيان أنه قال الكثير من دون أن يقول الشيء مباشرة.

فهو لم يعلن تهديدًا، ولم يحدد خصمًا بحريًا، ولم يقل ماذا ستفعل إريتريا.

فقط وصف عَصَب بأنها «منشأة ساحلية مكشوفة»، ووضع إلى جوارها «العمق الدفاعي» الذي توفره دهلك.

وفي البيانات السياسية، أحيانًا تكون الجملة التي تترك لك بقية المعنى أهم من الجملة التي تقوله كاملًا.

وفيما يلي تنشر «الأكيدة» نص بيان وزير الإعلام الإريتري يماني غبري مسقل كاملًا:

⸻

نص البيان الإريتري

[يتجلّى مجددًا، وبصورة واضحة، السلوك المعهود لـ«حزب بوتيمكين الورقي» في ازدواجية الخطاب والتحدث بلسانين.

ففي بيان صحفي أصدرته وزارة الخارجية الإثيوبية اليوم، فيما يبدو أنه ردّ على إعلان العلمين، حرص حزب الازدهار على التأكيد، من حيث الخطاب، على التزامه بـ«الانخراط السلمي، والاحترام المتبادل، والتعاون الإقليمي». كما دُعي «جميع الأطراف الإقليمية إلى معالجة التحديات المشتركة من خلال الحوار البنّاء، والشراكة، والالتزام بمبادئ حسن الجوار…».

غير أن جوهر القضية يكمن هنا تحديدًا.

فبعيدًا عن الممارسات المزدوجة لحزب الازدهار، فإن حالة التوتر السائدة التي تخيّم على منطقة القرن الأفريقي تنبع، على وجه التحديد، من السياسات والممارسات الخطرة التي انتهجها الحزب خلال السنوات الماضية؛ وهي ممارسات تنتهك القانون الدولي وتقوّض فرص وآفاق بناء تعاون إقليمي سليم ومستدام.

وفي هذا السياق، تبرز الحقائق التالية:

أولًا: تتمتع إثيوبيا بإمكانية وصول غير مقيّدة إلى جميع موانئ منطقة القرن الأفريقي. وفي ظل ما يمكن وصفه بـ«سوق المشترين»، تمتلك أديس أبابا هامشًا واسعًا للدخول في اتفاقيات تجارية تحقق المصالح المتبادلة مع جميع الدول الساحلية المعنية.

إلا أن حزب الازدهار اختار، بدلًا من ذلك، انتهاك القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، والسير في أجندة تقوم على العدوان والحرب ضد إريتريا بهدف ما يصفه بـ«الحصول على منفذ سيادي إلى البحر».

ثانيًا: وفقًا لما ورد في بيانات علنية سابقة صادرة عن وزارة الخارجية الإثيوبية، فإن التصور المتعلق بالاستيلاء على ميناء عَصَب الإريتري لا يقتصر على الميناء وحده، بل يمتد ليشمل المنطقة الساحلية الجنوبية أيضًا.

وبحسب المنطق الذي يطرحه حزب الازدهار: «من دون العمق الدفاعي الذي توفره جزر دهلك، يظل عَصَب منشأة ساحلية مكشوفة ومعرّضة لقوة بحرية معادية… ولذلك فإن أي ترتيب دائم لإثيوبيا ينبغي أن يأخذ في الاعتبار واقعًا مزدوجًا: الوصول إلى الساحل، وتوفير العمق الاستراتيجي اللازم لحماية هذا الوصول».

ثالثًا: وعلى نحو مماثل، أسهم حزب الازدهار في تأجيج توترات كان من الممكن تجنبها مع كل من الصومال والسودان، من خلال ممارسات متعمدة تشكل، بحسب النص، خرقًا للقانون الدولي وتعرقل مساعي التعاون الإقليمي.

وتشمل هذه الممارسات مذكرة التفاهم غير المشروعة التي وقّعها مع أرض الصومال (صوماليلاند)، في انتهاك صارخ لسيادة الصومال ووحدة أراضيه؛ فضلًا عن الدعم الشامل الذي يواصل تقديمه لقوات الدعم السريع (RSF) استجابةً لتوجهات دولة الإمارات العربية المتحدة.

وهي ممارسات مدانة أسهمت في تعريض السلام والأمن الإقليميين للخطر.

وأخيرًا، فإن التلميح الإثيوبي إلى أن مجرد القرب الجغرافي من البحر الأحمر يمنح إثيوبيا حقوقًا ومسؤوليات مماثلة لتلك التي تتمتع بها الدول المشاطئة للبحر الأحمر، هو طرح يفتقر، من المنظور القانوني البحت، إلى أساس يمكن الاستناد إليه، إلى درجة لا تستوجب الرد عليه.

يماني غبري مسقل
وزير الإعلام]

مقالات ذات صلة