*السودان القادم… أفكار من أجل اقتصاد النهضة..بروفيسور طارق محمد الرشيد أستاذ الاقتصاد القياسي* .

السودان القادم… أفكار من أجل اقتصاد النهضة… الحلقة الحادية والثلاثون
عندما تتحول الجغرافيا إلى ثروة….
من موقع على الخريطة إلى قوة في الاقتصاد
بقلم بروفيسور طارق محمد الرشيد
أستاذ الاقتصاد القياسي
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية.. جامعة ام درمان الإسلامية
هناك ثروات تُستخرج من باطن الأرض، وثروات تُزرع في الحقول، وثروات تُبنى في المصانع…لكن هناك ثروة أخرى قد تكون أمام أعيننا منذ سنوات، ولم نحسن استثمارها بعد:
الموقع… السودان ليس مجرد دولة تقع على الخريطة؛ إنه يقع في منطقة يمكن أن تجعل منه حلقة وصل بين إفريقيا والعالم العربي والبحر الأحمر والأسواق الدولية… لكن السؤال الأهم ليس:أين يقع السودان؟.. بل:ماذا يفعل السودان بموقعه؟
فالموقع الجغرافي وحده لا يصنع الثروة.. قد تمتلك دولة موقعًا استراتيجيًا ولا تستفيد منه، بينما تحول دولة أخرى موقعًا أقل أهمية إلى موانئ ومناطق حرة ومراكز لوجستية وأسواق وخدمات، فتخلق منه مصدرًا هائلًا للدخل وفرص العمل… وهنا تبدأ إحدى أفكار السودان القادم… من دولة تمر عبرها السلع… إلى دولة تُصنع فيها القيمة… لسنا بحاجة إلى أن يكون السودان مجرد طريق تعبره البضائع من مكان إلى آخر…. نحتاج إلى أن تصبح حركة البضائع نفسها اقتصادًا سودانيًا…
ميناء يستقبل البضائع… وسكك حديدية تنقلها…ومخازن تحفظها.. ومصانع تعيد تصنيعها أو تعبئتها.. وشركات نقل وتأمين وتمويل تخدمها… وأسواق توزعها… وشباب يعملون في كل مرحلة من مراحل هذه السلسلة… هنا يتحول الموقع من مجرد ميزة جغرافية إلى قيمة اقتصادية حقيقية… فبدل أن نصدر المادة الخام، يمكن أن نصنعها.. وبدل أن نرسل المنتج إلى الخارج ليُعاد تصنيعه، يمكن أن نضيف إليه القيمة داخل السودان… وبدل أن يكون السودان سوقًا للآخرين، يمكن أن يصبح منصة إنتاج وتجارة للمنطقة… السودان لا يحتاج فقط إلى ميناء… بل إلى اقتصاد حول الميناء.. قد نبني طريقًا، ثم نسأل: ماذا بعد؟… وقد نطور ميناءً، ثم نكتشف أن الطرق والسكك الحديدية لا تستطيع نقل ما يمر عبره… وقد ننتج سلعة ممتازة، لكن تكلفتها تصبح مرتفعة بسبب النقل والتخزين والإجراءات… لهذا فإن النهضة لا تُبنى بمشروع منفرد… الميناء يحتاج إلى طريق، والطريق يحتاج إلى إنتاج، والإنتاج يحتاج إلى طاقة وتمويل، والتجارة تحتاج إلى قوانين ومؤسسات، وكل ذلك يحتاج إلى إنسان مؤهل… وهكذا تتكون المنظومة… فالهدف ليس بناء بنية تحتية جميلة على الخريطة، وإنما بناء اقتصاد يعمل حولها… الثروة ليست في الذهب وحده.. ربما تعودنا أن نبحث عن الثروة في الذهب والبترول والزراعة والثروة الحيوانية… لكن اقتصاد المستقبل أكثر اتساعًا… يمكن للسودان أن يحقق قيمة من:
النقل، والخدمات اللوجستية، والتخزين، والتصنيع، والتجارة الإقليمية، والخدمات الرقمية، والسياحة، والخدمات المالية، والتصدير، وسلاسل القيمة.. وهنا تصبح الجغرافيا فرصة للأجيال الجديدة… فالشاب السوداني قد لا يجد مستقبله فقط في وظيفة حكومية، وإنما في شركة نقل، أو منصة تجارة إلكترونية، أو مشروع تصدير، أو مصنع تعبئة، أو شركة خدمات لوجستية، أو مشروع تقني يخدم حركة التجارة.. وهكذا يتحول الموقع إلى وظائف، والوظائف إلى دخول، والدخول إلى طلب، والطلب إلى إنتاج، والإنتاج إلى نمو.
لكن الموقع وحده لا يكفي.. هذه هي النقطة الأهم… لا يمكن أن نبني اقتصادًا تنافسيًا بالموقع الجغرافي فقط… المستثمر يريد قانونًا واضحًا… والتاجر يريد إجراءات سريعة.. والمنتج يريد كهرباء مستقرة… والناقل يريد طرقًا وسككًا حديدية… والمصدر يريد ميناءً كفؤًا… والمؤسسة تريد بيانات ومعلومات.
والجميع يريد شيئًا واحدًا:… الثقة…..
ولهذا فإن تحويل السودان إلى مركز إقليمي للتجارة والإنتاج يحتاج إلى إصلاح مؤسسي لا يقل أهمية عن بناء الطرق والموانئ.. فالحدود التي تستغرق فيها الإجراءات أيامًا طويلة قد تكون أكثر تكلفة من المسافة الجغرافية نفسها… والإجراء البيروقراطي المعقد قد يطرد مستثمرًا أكثر مما تفعل الضرائب…
والتأخير قد يحول ميزة الموقع إلى عبء….
السودان القادم يجب أن يفكر في الخريطة بطريقة مختلفة.. ربما آن الأوان لأن ننظر إلى خريطة السودان ليس باعتبارها حدودًا سياسية فقط، وإنما باعتبارها خريطة اقتصادية… أين مناطق الإنتاج؟.. أين الموانئ؟.. أين طرق التجارة؟.. أين يمكن إنشاء مناطق صناعية؟
أين يمكن تخزين المنتجات؟.. كيف تصل منتجات الزراعة والثروة الحيوانية إلى الأسواق الخارجية؟… كيف ترتبط الولايات ببعضها؟
كيف يمكن للسكة الحديد أن تعيد الحياة إلى حركة التجارة؟.. كيف يمكن للتكنولوجيا أن تختصر المسافات والإجراءات؟.. هذه الأسئلة ليست هندسية فقط…إنها أسئلة نهضة اقتصادية… من تصدير الموارد إلى تصدير القيمة.. وهنا نصل إلى جوهر الفكرة… السودان لا ينبغي أن يكتفي بأن يكون بلدًا غنيًا بالموارد… بل يجب أن يصبح بلدًا غنيًا بالقيمة المضافة… لا نريد فقط تصدير الماشية؛ نريد صناعات مرتبطة بها… لا نريد فقط إنتاج المحاصيل؛ نريد تصنيعها وتعبئتها وتسويقها… لا نريد فقط استخراج المعادن؛ نريد أن تمتد سلسلة القيمة إلى مراحل أكبر داخل الاقتصاد… لأن كل مرحلة إضافية من التصنيع تعني:قيمة أكبر، ووظائف أكثر، وخبرات جديدة، ودخلًا أعلى، وقدرة أكبر على المنافسة…. وهذا هو الفرق بين اقتصاد يبيع موارده واقتصاد يبني مستقبله من موارده….
السودان القادم… لا ينتظر العالم… العالم لن يتوقف حتى يستعد السودان… الأسواق تتغير.
الممرات التجارية تتغير… التكنولوجيا تختصر المسافات… والاستثمار يبحث دائمًا عن المكان الأكثر كفاءة وأمانًا ووضوحًا.
ولهذا فإن الفرصة لن تكون مفتوحة إلى الأبد.
إذا أحسن السودان استثمار موقعه، فقد يتحول من دولة ذات إمكانات كبيرة إلى مركز اقتصادي إقليمي مؤثر… أما إذا بقيت البنية التحتية ضعيفة، والإجراءات معقدة، والإنتاج محدودًا، والمؤسسات غير كفؤة، فإن الموقع سيظل مجرد نقطة على الخريطة…. وهنا يجب أن نتذكر:الموقع هبة… لكن تحويل الهبة إلى ثروة يحتاج إلى عقل وإدارة وإرادة.
النهضة تبدأ عندما نعيد اكتشاف السودان..
السودان القادم لا يحتاج فقط إلى اكتشاف موارده… إن كثيرًا من موارده معروفة منذ عقود… ما نحتاج إلى اكتشافه هو كيف نربط هذه الموارد ببعضها… الأرض بالإنتاج…والإنتاج بالصناعة…والصناعة بالتصدير…والتصدير بالموانئ…والموانئ بالنقل…والنقل بالأسواق.
والأسواق بالاستثمار…والاستثمار بالشباب.
وعندما تلتقي هذه الحلقات، يبدأ الاقتصاد في صناعة قيمة حقيقية.. فالسودان الذي نريده ليس السودان الذي تمر من خلاله الفرص…بل السودان الذي تتوقف فيه الفرص، وتكبر فيه، وتخلق حولها وظائف ومشروعات وثروة…وهنا ربما يكون السؤال الأهم في السودان القادم ليس:ماذا نملك؟.. بل:كيف نجعل ما نملك يصنع قيمة؟
فالأوطان لا تنهض بما وهبها الله من موارد فقط…بل بما تفعله بعقلها في استثمار هذه الموارد.. والسودان يملك موقعًا يمكن أن يكون بوابة… لكن النهضة الحقيقية تبدأ عندما نقرر:لن نكون مجرد بوابة للعالم… بل سنكون شريكًا في صناعة ما يمر عبرها.. ذلك هو السودان القادم.

مقالات ذات صلة