كتب: بكري خليفة
في أوقات المحن والأزمات، تتجلى معادن الرجال، وتبرز النماذج التي تختار الوقوف إلى جانب الآخرين وتقديم العون لهم في أصعب الظروف. ويبرز الشاب السوداني بابكر إبراهيم الخليل نموذجاً لشاب سخّر خبراته وعلاقاته وإمكاناته لمساعدة السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة بلادهم واللجوء إلى القاهرة عقب اندلاع الحرب في السودان.
ينتمي بابكر إبراهيم الخليل إلى أسرة سودانية عريقة، فهو نجل المراجع القانوني ورجل الأعمال المعروف إبراهيم الخليل، وينحدر من أسرة المشايخة الجموعية، إحدى الأسر ذات الجذور الاجتماعية والتاريخية المعروفة في الخرطوم. كما تنتمي والدته، السيدة هويدا عمر عباس النعمة، إلى أسرة النعمة العريقة، بما تحمله من امتداد اجتماعي وتاريخي.
درس بابكر علوم الحاسوب بجامعة النيلين، وعمل في إدارة أعمال والده. ورغم تلقيه عروضاً للسفر إلى كندا وفرنسا، فإنه فضّل البقاء والعمل في السودان، استجابةً لرغبة والده وحرصاً على مواصلة العمل إلى جانبه.
وخلال مسيرته العملية، خاض بابكر عدداً من التجارب الاستثمارية، شملت مكتباً للاستخدام ووكالة للسفر والسياحة في القاهرة، إلى جانب مشروعات عقارية في مصر، كما أسهمت طبيعة أعماله في بناء شبكة من العلاقات داخل مصر وخارجها.
*حضور إنساني في مواجهة تداعيات الحرب*
مع اندلاع الحرب في السودان، وجد آلاف السودانيين أنفسهم أمام واقع مفاجئ، اضطروا معه إلى مغادرة منازلهم وأعمالهم، فيما واجه كثيرون صعوبات كبيرة في الوصول إلى مصر عبر المعابر الحدودية، التي شهدت ازدحاماً وضغوطاً متزايدة خلال تلك الفترة.
وفي القاهرة، بدأت رحلة بابكر في مساعدة السودانيين الوافدين، مستفيداً من وجوده في مصر وخبرته العملية وعلاقاته، حيث عمل على تسهيل حصولهم على السكن ومساعدتهم في تدبير احتياجاتهم المعيشية، في وقت ارتفعت فيه أسعار إيجارات الشقق نتيجة زيادة الطلب.
ويقول بابكر إن كثيراً من السودانيين وصلوا إلى مصر في ظروف بالغة الصعوبة، بعدما فقد بعضهم أموالهم وهواتفهم خلال رحلة النزوح، وأصبحوا عاجزين عن التواصل مع ذويهم أو تدبير احتياجاتهم الأساسية.
ويضيف أن عدداً منهم وصلوا إليه عبر معارف وأشخاص آخرين، فحرص على تقديم المساعدة الممكنة لهم، من خلال البحث الميداني عن أماكن إقامة مناسبة، والعمل على توفير السكن والمعيشة إلى حين تمكنهم من التواصل مع ذويهم وأقاربهم في الخارج للحصول على الدعم اللازم.
ويشير إلى أن الضغوط كانت كبيرة، خصوصاً مع الارتفاع المتواصل في أسعار الإيجارات وتزايد أعداد الوافدين، إلا أن الجهود استمرت انطلاقاً من الشعور بالمسؤولية تجاه أبناء الوطن في تلك الظروف الاستثنائية.
نخوة السودانيين في القاهرة.. مواقف تعيد الثقة بين أبناء الوطن
لم تكن مساعدة السودانيين في القاهرة خلال الحرب مجرد استجابة لاحتياجات السكن والمعيشة، بل كانت اختباراً حقيقياً لقيم التضامن والثقة والتكافل بين أبناء الوطن الواحد، في ظل ظروف استثنائية فرضت على كثيرين مغادرة بلادهم والبدء من جديد في بيئة مختلفة.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة بابكر إبراهيم الخليل بوصفها نموذجاً للنخوة السودانية، وللقدرة على تسخير الإمكانات والعلاقات الشخصية من أجل مساندة الآخرين، خصوصاً أولئك الذين وصلوا إلى القاهرة وهم في أمسّ الحاجة إلى من يقف إلى جانبهم.
وقد تأثرت علاقات بعض السودانيين ببعضهم في المهجر بحالة من الحذر والتوجس، على خلفية تجارب سلبية وممارسات منسوبة إلى بعض الأفراد، شملت الاحتيال والنصب على سودانيين آخرين، الأمر الذي أضعف الثقة لدى بعض الوافدين وجعل التعامل فيما بينهم أكثر حذراً.
غير أن مثل هذه التجارب لا تختزل المجتمع السوداني ولا تعبّر عن عموم أبنائه؛ إذ ظلت مواقف التضامن والمبادرات الإنسانية حاضرة، مؤكدة أن الأزمات، على قسوتها، تكشف أيضاً عن نماذج تتمسك بالأخلاق والمسؤولية الاجتماعية وتضع احتياجات الآخرين في مقدمة أولوياتها.
ومن هنا، تكتسب تجربة بابكر أهميتها بوصفها مثالاً على ما يمكن أن يقدمه الفرد حين يوظف خبرته وعلاقاته لخدمة أبناء وطنه، وعلى الدور الذي تؤديه المبادرات الشخصية في تعزيز الثقة وتخفيف معاناة النازحين واللاجئين، في وقت يحتاج فيه السودانيون إلى التكاتف أكثر من أي وقت مضى.
مساعدة السودانيين في استكمال إجراءات السفر
لم تقتصر جهود بابكر على توفير السكن والاحتياجات المعيشية، بل امتدت إلى مساعدة السودانيين الراغبين في مواصلة رحلتهم إلى وجهات أخرى، بما في ذلك دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة، بحسب ظروف كل حالة وإمكاناتها ومتطلبات السفر.
ومن خلال مكتبه في مصر، عمل على تقديم المساعدة الإجرائية للراغبين في السفر، خاصة الذين واجهوا صعوبات بسبب فقدان وثائقهم الثبوتية خلال الحرب أو رحلة النزوح.
وفي هذا السياق، يثمن بابكر دور السفارة السودانية في القاهرة في تقديم الخدمات القنصلية اللازمة، بما في ذلك إجراءات استخراج جوازات السفر والوثائق المطلوبة، الأمر الذي ساعد عدداً من السودانيين على استكمال معاملاتهم وترتيب أوضاعهم.
ويذكر أن بعض الحالات تمكنت من استكمال إجراءات السفر بسهولة نسبية، خصوصاً الأشخاص الذين يحملون جوازات سفر أجنبية، فيما احتاج آخرون إلى وقت وجهد أكبر لتسوية أوضاعهم واستيفاء المتطلبات اللازمة.
*مبادرات فردية في مواجهة أزمة إنسانية*
تعكس تجربة بابكر إبراهيم الخليل جانباً من صور التضامن السوداني التي برزت خلال الحرب، حين وجد كثير من السودانيين أنفسهم في مواجهة ظروف لم يستعدوا لها، واضطروا إلى الاعتماد على مساعدة الأقارب والمعارف والمتطوعين وأصحاب المبادرات الفردية.
وفي ظل هذه الظروف، اكتسبت المساعدة في توفير المأوى وتأمين الاحتياجات الأساسية واستكمال الوثائق أهمية كبيرة بالنسبة إلى الأسر التي فقدت مصادر دخلها أو تعذر عليها الوصول إلى مدخراتها.
وتبقى تجربة بابكر، مثالاً على توظيف الخبرة والعلاقات والإمكانات الشخصية في مساندة أبناء الوطن خلال الأزمات، وعلى أهمية المبادرات الإنسانية التي تخفف من معاناة المتضررين وتساعدهم على تجاوز الظروف الصعبة.
إن قصة بابكر إبراهيم الخليل ليست مجرد سيرة شاب خاض تجارب عملية واستثمارية، بل هي أيضاً إضاءة على الدور الذي يستطيع أن يؤديه السودانيون في المهجر عندما تتحول الإمكانات الشخصية إلى وسيلة لخدمة المجتمع. ففي أوقات الحرب، لا تُقاس المواقف بما يملكه الإنسان وحده، وإنما بما يستطيع تقديمه للآخرين حين تشتد الحاجة إلى العون والتكافل.
ويبقى الرهان على نخوة السودانيين وتاريخهم في التكافل والتراحم، وعلى أن تكون المواقف الإنسانية جسراً لاستعادة الثقة وتعزيز وحدة المجتمع، مهما تباعدت المسافات واشتدت المحن.




