*اثيوبيا في مواجهة جيرانها.. ثلاث جبهات تضغط على آبي أحمد*

 

تجد إثيوبيا نفسها أمام أزمة تتجاوز حدود المواجهات العسكرية بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة المسلحة، لتعيد فتح ملفات خلافية مع ثلاث دول ترتبط بها بعلاقات معقدة من الصراع والتعاون: مصر والسودان وإريتريا. وبينما تتهم أديس أبابا هذه الدول بدعم «تحالف البقاء» المعارض بهدف زعزعة استقرارها وإسقاط حكم رئيس الوزراء آبي أحمد، تنفي الدول الثلاث التدخل في الشؤون الداخلية الإثيوبية، وإن كانت لكل منها حساباتها الخاصة بشأن مستقبل الصراع ونتائجه.
في الورقة التحليلية «إثيوبيا وجيرانها: محددات مواقف مصر والسودان وإريتريا من الحرب الراهنة»، الصادرة عن مركز الجزيرة للدراسات يتتبع الباحث بدر حسن شافعي، أستاذ الدراسات الأفريقية وخبير تسوية الصراعات، جذور العلاقات الإثيوبية مع الدول الثلاث، والتحولات التي طرأت عليها، والأدوات التي استخدمتها كل دولة في إدارة خلافاتها مع أديس أبابا.
وتنطلق الورقة من أن الحرب الإثيوبية، وإن بدت صراعا داخليا بين الحكومة الفيدرالية ومكونات إثنية وسياسية متعددة، لا يمكن فصلها عن البيئة الإقليمية المحيطة بها. فإثيوبيا، التي توصف بأنها «متحف الإثنيات»، تضم جماعات تمتد روابطها عبر الحدود، كما تتداخل أزماتها الداخلية مع خلافات حول المياه والحدود والموانئ والنفوذ في القرن الأفريقي.
وتخلص الورقة إلى مفارقة رئيسية: قد تستفيد مصر والسودان وإريتريا من انشغال إثيوبيا بصراعاتها الداخلية وتراجع قدرتها على ممارسة الضغوط الإقليمية، لكن تفكك الدولة الإثيوبية ليس في مصلحة أي منها. فضعف أديس أبابا قد يفتح الباب لتسويات مؤجلة، بينما يؤدي انهيار مؤسساتها إلى تعقيد تلك التسويات وتهديد استقرار المنطقة بأكملها.

تجمع خاتمة الورقة خيوط العلاقات الثلاث في إطار واحد، يقوم على التمييز بين مصلحة دول الجوار في الحد من الضغوط الإثيوبية، ومصلحتها الأوسع في استمرار الدولة الإثيوبية واستقرار مؤسساتها.
فإريتريا تريد حماية سيادتها على موانئ البحر الأحمر، ومنع أديس أبابا من تحويل مطلب الوصول إلى البحر إلى تهديد مباشر لاستقلالها.
والسودان يريد وقف ما يعده دعما إثيوبيا لقوات الدعم السريع، وحماية حدوده الشرقية، وتحسين موقفه بشأن الفشقة وسد النهضة، دون تحمل أعباء انهيار جديد في جواره.
أما مصر فتسعى إلى حماية أمنها المائي، ومنع الإجراءات الإثيوبية الأحادية، والحد من تمدد النفوذ الإثيوبي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وتلاحظ الورقة أن هذه المصالح المتباينة تلتقي عند نقطة مشتركة، هي استفادة الدول الثلاث من انشغال أديس أبابا بأزماتها الداخلية، بما قد يدفعها إلى مراجعة سياساتها الخارجية والتخفيف من حدة خلافاتها مع جيرانها.
لكنها تميز بين الضعف السياسي الذي قد يفتح مجالا للتفاوض، والانهيار الذي قد يؤدي إلى تفكك المؤسسات وانتشار الصراعات الإثنية والحدودية.
وترجح الورقة أن المواجهات الأخيرة قد تفرض على آبي أحمد مراجعة بعض توجهاته الخارجية، وربما العودة إلى سياسة «صفر مشكلات» التي أعلنها عند وصوله إلى السلطة عام 2018.
كما تطرح الحاجة إلى إعادة النظر في إدارة الداخل الإثيوبي، وخصوصا تنفيذ اتفاق بريتوريا، وحسم العلاقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم، ومراجعة الاتجاه نحو المركزية الذي قد يؤدي، بحسب الباحث، إلى استمرار حركات التمرد وتجددها.
ولا تتوقع الورقة بالضرورة اندلاع حرب مباشرة بين إثيوبيا وجيرانها الثلاثة، لكنها تحذر من أن الخلافات الإقليمية يمكن أن تؤدي دورا في تأجيج الصراع الداخلي، حتى عندما تتمسك الحكومات رسميا بمبدأ عدم التدخل.
وتنتهي بذلك إلى أن مستقبل الأزمة الإثيوبية لن يتحدد فقط بنتائج المعارك بين الحكومة والمعارضة المسلحة، وإنما أيضا بقدرة أديس أبابا على إعادة ترتيب علاقاتها مع الدول المحيطة بها، والتوصل إلى تسويات بشأن المياه والحدود والموانئ، وإيجاد صيغة داخلية للحكم تقلل احتمالات تجدد الصراعات.
والمفارقة التي تحكم المشهد، كما ترسمها الورقة، أن جيران إثيوبيا قد يجدون في تراجع قوتها فرصة لمعالجة خلافاتهم معها، لكنهم قد يكونون أول المتضررين إذا تجاوز هذا التراجع حدود إضعاف النظام إلى تفكك الدولة نفسها.
_________

المصدر: الجزيرة

مقالات ذات صلة