*مِفْتَاح المدى… (حكاوي من زمن الحرب) هدفٌ نسعى إليه… إنها الهيئة العامة للمعامل بقلم: د. محمد حمد محمد أحمد*

اليوم صباحاً، سعدت أيّما سعادة بتواصل هاتفي مع أستاذنا وصديقنا الحبيب الدكتور خالد مختار، الذي وصلني به دكتورنا الغالي زكي محمد البشير.
امتد الحديث، وتشعّبت الحكاوي، لكن الهمّ كان واحداً؛ همٌّ قديم يسكننا ويسكن كل مختبراتي غيور على مهنته ووطنه: حال المختبرات الطبية في بلادنا، وكيف السبيل إلى نهضتها وتطويرها؟
فالمختبرات الطبية ليست مجرد أجهزة وأنابيب ونتائج تُكتب على الأوراق، بل هي عين الطب التي يرى بها، وأحد أعمدة المنظومة الصحية، تشخيصاً وعلاجاً ووقايةً ورصداً للأوبئة.
لقد مضى العالم بعيداً في علوم المختبرات وتقنياتها، بينما ما زلنا نحن في السودان، رغم ما نملك من عقول وكفاءات، نقف في محطة الانتظار، وكأن الزمن يتحرك من حولنا ونحن نردد محلك سر!
ولن ينصلح الحال ما لم تلتفت وزارة الصحة، اتحادياً وولائياً، إلى هذا القطاع العريض، وتمنحه ما يستحق من اهتمام واستقلالية فنية وإدارية، ليكون قادراً على تنظيم نفسه وتطوير خدماته.
والحكاية ليست وليدة اليوم…
ففي أواخر العام 2019، لاحت بارقة أمل عندما طُرح على مستوى وزارة شؤون مجلس الوزراء مقترح إنشاء هيئة عامة للمعامل، أسوةً بهيئات وطنية أخرى، كهيئات البحوث الزراعية والبيطرية وغيرها.
ومضت الخطوة إلى الأمام، فصدرت مخاطبتان؛ إحداهما إلى وزارة المالية لإبداء الرأي المالي، والأخرى إلى وزارة الصحة لإبداء الرأي الفني.
ولكن، ويا للأسف، بدا وكأن الخطابين كانا طفلين توأمين ماتا عند الولادة!
فلا الهيئة رأت النور، ولا المقترح وجد طريقه إلى التنفيذ، وبقي الحلم معلقاً بين المكاتبات والانتظار.
ومرت السنوات… وجاءت الحرب، فكشفت لنا أكثر من أي وقت مضى أن المختبرات ليست ترفاً إدارياً، وإنما ضرورة للأمن الصحي والوطني.
واليوم، ونحن نتحدث عن إعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة، فإن الفرصة ما زالت قائمة لإحياء ذلك الحلم، ولكن بخطوات واقعية تبدأ بما هو ممكن.
ونقولها بوضوح للجهات العليا، وعلى رأسها مجلس الوزراء:
إن إنشاء ادارة عامة للمعامل الطبية بوزارة الصحة الاتحادية، تتبع لها إدارات مناظرة بالولايات، يمثل خطوة أولى ضرورية نحو بناء قطاع مختبري وطني متكامل، على أن تظل فكرة الهيئة العامة هدفاً استراتيجياً يُدرس وفق مقتضيات الإصلاح المؤسسي.
ونرى أن أهمية هذه الخطوة تتمثل في:
1. توحيد السياسات والمعايير الفنية للمختبرات الطبية على المستوى القومي والولائي.
2. تعزيز الرقابة وضمان الجودة ورفع كفاءة الخدمات التشخيصية.
3. تطوير المختبرات المرجعية ومختبرات الصحة العامة لدعم الترصد الوبائي والاستجابة للطوارئ.
4. تأهيل الكوادر المختبرية وتطوير التدريب والبحث العلمي والاستفادة من الخبرات السودانية بالداخل والخارج.
5. وضع خطة وطنية لتأهيل المختبرات المتضررة من الحرب وتحديث الأجهزة والتقنيات والبنية التحتية.
ولعل أهم ما نرجوه أن تنتقل هذه الرؤية من دائرة الأمنيات إلى طاولة القرار، وأن يتبنى مجلس الوزراء، بالتنسيق مع وزارة الصحة والجهات المختصة، إعادة فتح هذا الملف، وتشكيل لجنة فنية لوضع تصور مؤسسي واضح، بمهام وصلاحيات محددة وجدول زمني للتنفيذ.
فالمختبرات لا ينقصها الرجال ولا العقول، وإنما ينقصها القرار الذي يفتح لها الطريق.
يا سادتي…
لقد علمتنا الحرب أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات، وأن إعادة الإعمار لا تبدأ بالحجارة وحدها، بل بإعادة بناء المؤسسات وتصحيح مساراتها.
وليس مطلبنا إنشاء منصب جديد، ولا إضافة لافتة على باب وزارة، وإنما بناء مؤسسة تمنح هذا القطاع مكانته التي يستحقها، ليؤدي رسالته في خدمة الإنسان السوداني.
فهل نرى قريباً إدارة عامة للمعامل ترى النور، أم نظل نبحث عن التوأمين اللذين غابا منذ العام 2019؟!
إننا لا نطلب المستحيل… وإنما نبحث عن حقٍّ تأخر، وحلمٍ يستحق أن يولد.
ونواصل…

مقالات ذات صلة