إن ما حققه الجيش السوداني في (حرب الكرامة) أمر مدهش ومعجز، إذ ادهش الحكام قبل شعوبهم، وابهر العسكريين وخبراء الحروب وصناع الاستراتيجيات، فالكل يرقص طرباً ويعبر اعجاباً وانبهاراً ، وآخرون يقلبون ويحللون ليكتشفوا الأسرار الخفية التي أدت إلى هذا الانتصار المعجر في أوجز وقت، وباقل خسائر، مقارنةً مع سائر الحروب قديماً وحديثاً.
ما من شك في أن نتائج هذه الحرب وعاقبتها ستورث الشعب السوداني خيراً وتصنع له تاريخاً جديداً يُسطَّر في صفحاته الناصعة، ولسوف تعيد له مجداً تليداً اضاعه ابناؤه بايديهم غفلةً وتغييباً،،، أما واليوم فقد انكشفت الاقنعة وانسدل الستار، واستبان العدو من الصديق، والمنافق المخادع من غيره،،، فإنه حينئذٍ لا يحسن بل ومن العيب والنقص ان تنطلي علينا الخدع الماكرة التي تطبخ نيّئة وعلي عجل لتسرق ثروة الإنجاز والاعجاز في وضح النهار وعلي مرأي ومسمع من القاصي والداني، وأما زوار الليل الذين يتسللون لواذاً ويلبسون القناع المبرقع المنتقب فما أكثرهم واوسعهم انتشاراً في الاروقة.
الجيش وهو من رحم هذا الشعب الودود الولود، والذي تمكن من هزيمة القوة العسكرية المُرَكّبة المشكلة من تحالف دول مفككة، تدفعها أخري عميلة، ومن وراء كل ذلك الركام تقبع القوي الطامعة اللاهثة للسيطرة علي الموارد، لكنها لم تكن تعلم انها تواجه مارداً قام بأكلها وكشف زيفها وكذبها وخداعها أمام الدنيا والعالم. فهل يكررها الشعب السوداني ثانية ليلقن هؤلاء المتربصين درساً آخراً في الميدان الجديد؟
ولما كانت الحرب خدعة فإن من سنته صلي الله عليه وسلم : إذا أراد أن يغزو قرية، ورّي بغيرها… فهؤلاء واولئك لا تجدي معهم الشفافية السياسية المشتهرة، ولا المالية المنكشفة لدي من صنعوا مؤسساتها المرجعية، وإنما الشفافية المفضلة تكمن في الإحاطة بمنظومة المواثيق والمعاهدات والقوانين الدولية التي يقيدون بها احرار العالم ويُقعِدونهم كلما أرادوا ان يكسروا السياج ويحطموا القيود والأقلال بحثاً عن التحرر والاستقلال…
العلاقات الخارجية والدولية يحتاج نسجها والإحاطة بها الي خبرة ومهارة عالية في الدقة ، لأن تقاطعاتها معقدة، والمشي علي دروبها كمن يمشي علي رؤوس الافاعي، والحديث الهامس في الحجرات يحكي لك كماً هائلاً من المستضعفين المغلوبين الذين لا يملكون حيلة ولا من أمرهم شيئاً، وأما المتنافسين المتغلبين الذين يقتسمون النفوذ والثروات فهؤلاء دابهم ان يعرضو الكل في المزاد،،،
هنا تكمن العبقرية في تفكيك الالغاز وكسب الرهان السياسي واللعب علي المتناقضات واقالة عثرات المقهورين المستصعفين، والتدخل السريع قبل فوات الأوان، وهذا يتطلب يقظة مستدامة، وحسم عجول لكل خائن وعميل.