*الشيوخ يتعلّقوا بالحبل… والسفاحين يحتفلوا ببورتكيزان*

في هذا البلد لا يقف القضاء في منتصف الطريق بل يقف في الظل خلف البندقية يكتب أحكامه وهو ينظر إلى الرتبة لا إلى الجريمة ويزن المتهم بميزان الولاء لا بميزان الحقيقة فالمواطن هنا يولد متهمًا حتى يثبت صمته ويُعدم أحيانًا فقط لأن أحدهم وشَى به أو لأن خصومة صغيرة تحولت إلى بلاغ أو لأن جهازًا ملّ من سماع اسمه فقرّر أن يعلّقه على حبل العدالة الشكلية ليُقال إن القانون ما زال يعمل بينما القانون الحقيقي يعمل فقط لحماية القتلة الكبار فالمشنقة سريعة عندما يكون المتهم بلا ظهر وبلا قبيلة سياسية وبلا رتبة وبلا اتصال أما عندما يكون المتهم قائد حامية سلّم مدينته وسلاحه وجنوده وفتح البوابة للمليشيا لتذبح وتغتصب وتحرق فهنا يتحول القضاء إلى شاعر رومانسي يكتب حيثيات ناعمة عن تعقيدات المشهد والظروف الأمنية والملابسات الغامضة وكأن الدم غموض وكأن الجثث سوء فهم وكأن الاغتصاب خطأ إجرائي ثم يمضي هؤلاء القادة ليعيشوا حياتهم كملوك صغار في بورتكيزان يتنقلون بين المكاتب والبيوت الآمنة ويجلسون في الصالونات المكيفة ويبتسمون بثقة من يعرف أن لا أحد سيقترب منه لأن الخيانة في هذا البلد لا تُعاقب بل تُدار بعقل بارد وتُستثمر سياسيًا وفي أعلى هذه المهزلة يقبع البشير نفسه في مدينة أكثر أمانًا وراحة جناح نظيف صامت لا صراخ أمهات يصل إليه ولا صور مقابر تطارده ولا مسيرة تزعج قيلولته هو وعصابته ومعه حرمه عزيزاً مكرماً تحيط به عناية الدولة الكاملة وحوله طاقم حراسه من خيرة الضباط كأنهم يحرسون رمزًا وطنيًا لا رأس نظام دموي وبالقرب طائرة خاصة جاهزة في أي وقت لتحمله إلى مكان أكثر أمانًا إذا ما شعر أن المزاج العام تعكر قليلًا لأن الرجل الذي صنع هذا الخراب كله لا يجوز أن يقلق بينما المواطن الذي دفع الثمن كاملًا يجوز أن يُعدم بلا دليل لأن الدولة تعتبره فائضًا عن الحاجة وهذا كله ليس صدفة بل سياسة واضحة فالبشير أراح الحكومة من كثرة المواطنين عندما ربّى حميدتي وعلّمه كيف تتحول القبائل إلى وقود وكيف يصبح القتل لغة وكيف تصير المليشيا ذراعًا نظيفًا ينفذ ما لا تريد الدولة أن توقع عليه بيدها والآن بعد أن أدّى المشروع وظيفته يُكافأ صانع المشروع بالحماية ويُكافأ المنفذ في مقبل الأيام بالصعود ويُكافأ القادة الذين سلموا الحاميات بالصمت ويُكافأ القضاء بدور جلاد أنيق يرتدي روبًا أسود ويشنق الفقراء باسم هيبة الدولة بينما هيبة الدولة الحقيقية مدفونة تحت التراب مع الضحايا فهنا لا يُسأل من فتح الأبواب ولا من سلّم السلاح ولا من دلّ المليشيا على البيوت ولا من ترك النساء للاغتصاب بل يُسأل المواطن لماذا تكلّمت ولماذا غضبت ولماذا لم تصمت فالصمت فضيلة وطنية والكلام خيانة والإشارة إلى الجريمة جريمة أكبر من الجريمة نفسها وهكذا يصبح البلاغ الكيدي وثيقة سيادية وتتحول الوشاية إلى أداة حكم تُدار البلاد بعقلية المخبر لا القاضي ويُطلب منا أن نصدق أن العدالة تأخذ مجراها بينما الوقت لا يتحرك إلا على أعناق الضعفاء أما الكبار فلهم زمنهم الخاص ومدنهم الآمنة وطائراتهم الخاصة وحصانتهم الصلبة وفي هذا السيرك المظلم يُعاد إنتاج المشهد كل يوم مواطن يُعدم بلا دليل وقائد حامية يُكافأ بلا مساءلة والبشير يعيش في أمان مصقول وشعب يُساق إلى الموت لأن الدولة قررت أن تحمي نفسها من الناس لا أن تحمي الناس من القتلة والشيء المضحك حد البكاء أن كل هذا يُقدَّم لنا بأسم القانون وأن القاضي الذي يوقّع على حكم الإعدام ضد مواطن بريء ينام ليلته مطمئنًا لأنه يعرف أن المقصلة لن تقترب أبدًا من الرقاب الصحيحة وأن العدالة في هذا البلد ليست عمياء بل مدجّنة تعرف من تضرب ومن تترك ومن تُشنق ومن تُفرش له السجادة الحمراء وهكذا تستمر اللعبة القذرة جناح ملكي للسفاحين ومشانق عامة للمواطنين وقضاء يجلد الضعيف ويتحنن على الخائن ودولة تكافئ من علّم القتل وتُعدم من رفضه وتطلب منا في النهاية أن نحترم القانون
لا يمكن لأي عاقل أن يطالب باحترام القانون ونحن نرى هذا القضاء يصدر أحكامًا لا تليق به كمؤسسة عدلية من الأساس حين يحكم بالإعدام على رجل تجاوز الخامسة والسبعين من عمره رجل لو عُرض على ميزان ما شرعه الله نفسه لما اعتُبر مؤهلًا حتى لتحمّل المسؤولية الكاملة فكيف تؤهلونه للموت ظلمًا وبدم بارد بينما البشير وزبانيته الذين تجاوزت أعمارهم الثمانين وقد ارتكبوا ما لم ترتكبه قرون من الإجرام لم تطلهم محكمة واحدة ولم يقترب منهم حبل واحد ولم يسمعوا حتى كلمة مساءلة أي عدالة هذه التي ترى الشيخ الضعيف مشروع مشنقة وترى صانع الخراب شيخًا محترمًا محميًا بالدولة وأجهزتها أي قانون هذا الذي يشيخ فقط حين يتعلق الأمر بالقتلة الكبار ويستأسد فقط على الفقراء والعاجزين إن ما يحدث ليس قضاءً بل مهزلة دموية تُدار باسم القانون ويُذبح فيها الضعفاء ليبقى الكبار آمنين.

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole