في ظروف سياسية واقتصادية غير مسبوقة، صدرت أمس، وثيقة سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026م، مستهدفة مواجهة تداعيات اوضاع استثنائية فرضتها حرب الخامس عشر من أبريل 2023، حيث تكافح الدولة تآكل مؤسساتها، فيما يدار الاقتصاد تحت وطأة الحرب والانقسام السياسي والأنشطة الموازية.
جدير بالذكر أن استجابة البنك للصدمة كانت بعد فترة قصيرة من اندلاع الحرب، وذلك بتكوين غرف عمليات وطوارئ اتخذت العديد من التدابير مثل توجيه فروع البنك بالولايات الآمنة بالاستمرار في نشاطها، واتخاذ العديد من الاجراءات من أبرزها توفير بعض الالتزامات العاجلة، والتحول إلى العمل باستمارات ورقية، واصدار ضوابط من بينها الغاء شرط تصفية الذهب في مصفاة السودان عند التصدير، كما أصدر تعميمات بحظر شامل لـ “64” حساب مصرفية دلت عمليات التقصي والرقابة ترجيح أن يتم من خلالها متاجرة في العملة، اضافة إلى حجز وتجميد أرصدة حسابات الدعم السريع في المصارف، وسمح للمصارف باستغلال أي فائض لنسبة الاحتياطي القانوني لمقابلة التزامات الشيكات المصرفية الصادرة من العملاء لصالح الجمارك قبل اندلاع الحرب.[1]
وحسب ما جاء في الوثيقة الصادرة أمس، تركز سياسات هذا العام 2026م على “اصلاح الجهاز المصرفي وإعادة هيكلته، وتحديث البنى التحتية لنظم الدفع، وتعزيز الشمول المالي والتحول الرقمي، لاعادة الثقة واستدامة النمو، كما تركز على توجيه التمويل نحو القطاعات الانتاجية والأنشطة ذات الأولوية، بما يساهم في خفض التضخم ومرونة واستقرار سعر الصرف لدعم استعادة التوازن الكلي وتبني مبادئ التمويل المستدام والتمويل الأخضر بما يتماشى مع التوجهات العالمية وتحسين إدارة العملة الوطنية”.[2]
وقبل الشروع في قراءة وثيقة سياسات البنك المركزي، مهم أن نشير إلى مسألة جوهرية تتعلق بمدى الاستقلالية الفعلية للبنك المركزي، بعيدا عن تشريعه ولائحته الأساسية أو البيانات الرسمية، فاستقلالية البنك تختبر بقدرته الواقعية على التحكم في أدوات السياسة النقدية والتأثير في المتغيرات الاقتصادية الأساسية.
وفي بيئة يهيمن عليها اقتصاد الحرب، تتآكل هذه الاستقلالية حين تفقد مؤسسات الدولة الرمسية سيطرتها على موارد الإنتاج والتصدير، مع خروج مناطق واسعة في كردفان ودارفور، وحقول النفط، وجزء من مسارات الذهب، عن السيطرة الفعلية، ما يؤدي إلى خروج عائدات الصادر من تحكم البنك المركزي.
وفي هذا الخصوص، يتحول البنك المركزي لمدير للأزمة وليس صانع للسياسة النقدية كما ينص على ذلك (المانديت).
وفي هذه الوضعية الادارية تتقلص أدواته، وتتراجع قدرته على ضبط التضخم وسعر الصرف، لتصبح استقلاليته مرتبطة بوحدة القرار المالي وسيادة الدولة على مواردها، وليس بوفقةاطار قانوني أو وثيقة سياسات فقط.
ويخشى أن تزداد تعقيدات هذا الوضع، مع استمرار تداول عملات قديمة في مناطق الحرب، ما يعني عمليا وجود أكثر من عملية نقدية داخل بلد واحد، وهو بالطبع وضع مربك لإدارة السياسة النقدية، ويخلق أسواق موازية للنقود خارج سيطرة البنك المركزي، ويضعف من العملة الوطنية، ويقوض أي محاولات لإدارة العرض النقدي بصورة متماسكة على مستوى الدولة بالكامل.
تشير التقديرات إلى أن نحو 80% من الكتلة النقدية لا تزال خارج النظام المصرفي،[2] رغم خطوة استبدال العملة التي أُنجزت العام الماضي، وهو ما يكشف عن محدودية هذه الخطوة في غياب بيئة مصرفية مستقرة، وبنية تحتية فاعلة تتيح أكبر قدر من المواطنين المتعاملين بالعملة الانخراط في النظام المصرفي، وبهذا المعنى، فإن إدارة السيولة النقدية تبدو غير شاملة، وسيكون تأثير أدوات السياسة النقدية ضعيفا طالما أن الجزء الأكبر من النقود يعمل خارج القنوات المصرفية المعتمدة للبنك المركزي.
تضم البلاد نحو 38 مصرفا، إلا أن ثلاثة مصارف فقط تستحوذ على أكثر من 70% من حجم السوق المصرفي في السودان،[2] ما يعكس درجة عالية من التركز وضعف التنافسية، ومع اندلاع الحرب، توقفت نحو 68% من هذه المصارف عن العمل، سواء كليا أو جزئيا، الأمر الذي عمق أزمة الوساطة المالية. [3]
إلى جانب ذلك، تعاني غالبية المصارف من ضعف الرساميل، ما يحد من قدرتها على امتصاص الصدمات، أو تمويل النشاط الاقتصادي، أو مواكبة متطلبات الإصلاح وإعادة الهيكلة التي تتحدث عنها الوثيقة.
تضع الوثيقة إصلاح الجهاز المصرفي وإعادة هيكلته في مقدمة أولويات السياسة النقدية، غير أن الصياغة تبدو ملتبسة، إذ تجمع بين مفهومين مختلفين، فالإصلاح عادة يرتبط بالجوانب الفنية والإجرائية، مثل أنظمة الدفع، الحوكمة، الامتثال، وإدارة المخاطر، بينما تشير إعادة الهيكلة إلى معالجة أعمق تشمل الرسملة، الدمج، أو حتى التصفية.
ورغم أن الوثيقة تعود لاحقا لتفصل بين السياسات الفنية للإصلاح، وتلك المتعلقة بإعادة الهيكلة، إلا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التعريفات، بل في مدى واقعية تنفيذ هذه السياسات في ظل الحرب، في حين تكافح المصارف للتعامل مع خسائرها الفادحة وهي أصلا تعاني من ضعف رؤوس الأموال.
تسعى الوثيقة إلى تعزيز الشمول المالي كأداة لتوسيع القاعدة المصرفية وتحسين فعالية السياسة النقدية، غير أن هذا الهدف يصطدم بواقع اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد، يتمثل في النزوح، وتراجع الدخل، وضعف البنية التحتية الرقمية، وفجوة الثقة في المصارف، ما يجعل الشمول المالي عمليا هدفا مؤجل أكثر منه كونه أولوية كأداة فاعلة على المدى القصير.
تستهدف الوثيقة خفض معدلات التضخم إلى حدود 65% باستخدام أدوات تقليدية وغير تقليدية، وهو هدف يعكس إدراكا لحجم الأزمة، غير أن فعالية هذه الأدوات تظل محدودة في ظل فقدان السيطرة على الكتلة النقدية، واستمرار تمويل العجز، وتعدد أسعار الصرف، ووجود أسواق موازية للنقد والعملات.
تتحدث الوثيقة على الحد من تمويل عجز الموازنة عبر التوسع في طباعة النقود، باعتباره أحد المحركات الرئيسية للتضخم، وهو توجه سليم من حيث المبدأ، لكنه يواجه بواقع اقتصاد حرب تفرض فيه متطلبات الإنفاق الطارئ، وضعف الإيرادات العامة، وخروج جزء. معتبر من الموارد عن السيطرة، ما يمثل ضغوطا مباشرة على البنك المركزي لتمويل العجز بوسائل غير تقليدية.
وفي هذا السياق، تصبح الطباعة النقدية أداة اضطرارية لإدارة الاختلالات ما يبقي العلاقة بين تمويل العجز وارتفاع التضخم قائمة، ويحد من قدرة البنك المركزي على تحقيق أهدافه المعلنة.
وبعيدا عن الجدل الذي يمكن أن تثيره وثيقة سياسات البنك المركزي، حول انحيازها غير المصرح به لرؤية صندوق النقد الدولي الاصلاحية، فأن الوثيقة كذلك تواجه تحديات سياسية وبنيوية، إذ يصعب تحقيق استقرار نقدي كلي، أو خفض التضخم، أو إصلاح القطاع المصرفي، بمعزل عن توقف الحرب، واستعادة وحدة الدولة، وبسط السيطرة على الموارد الاقتصادية.
وكل ذلك ربما يحتاج رؤية وطنية شاملة، تقوم على توافق سياسي واسع حول برنامج اقتصادي متكامل، يكون مرجعا للسياسات المالية والنقدية، ويحدد أولويات الإنفاق، وإدارة الموارد، وإعادة الإعمار.




