*(10) وفاة الشريف: ما أعظم خاتمته!.*

في ظروف سياسية بالغة التعقيد. وظروف صحية بالغة التأثير على جسده الذي انحلته الهموم والشدائد. أبَى الشريف إلا أن يؤدي “حجَّته السابعة”.. وكأنَّه كان يعلم. أنها حجَّة الوداع. مكث بأرض الحرمين أياما طوال.. ولم نُشر في بادئ الترجمة. إنتهاء نسب الشريف إلى الدوحة النبوية الكريمة. ففي رحاب المدينة. احتفل هناك بمولد جدِّه المصطفى(ص). وأقام ليلة روحية بهذه المناسبة. مع رفاقه وأحبابه من السودانيين. وتلى من الذاكرة فصولا من “المولد” كتاب في السيرة النبوية. نثر منظوم من تأليف والده أبي البركات. العارف بالله “الشريف يوسف الهندي”.. وكان الشريف قد حفظه مع القرآن في طفولته. فسجِّلت تلاوته تلك بركة ومكرمة له.
كان حزبه الاتحادي. وأبناؤه الاتحاديون. يعقدون مؤتمراً تاريخياً في إحدى جزر اليونان(جزيرة خالكيذا). وكان من المقرر أن يخاطب الشريف المؤتمر في جلسته الختامية.
في طريق عودته من مدينة الرسول (ص). إلى مدينة جدة أصيب “بالذبحة القلبية”.. ولزم غرفة العناية الطبية الفائقة. في مستشفى جدة الوطني. تستر على المرض وبتوجيه منه لمرافقيه. وكان رحمه الله يقول دائما عندما يشعر بالاعياء الذاتي. “معالجة أمراض الوطن عنده أولى من معالجة أمراض جسده”. وفي أول صحوة عافية له. بعث رسولاً للمؤتمر يؤكد حضوره للجلسة الختامية رغم مشاغله. وأبَى كعادته أن يشكو المرض. رغم إصرار الطبيب عليه وتأكيده له أنَّ حالته الصحية تستدعي لزوم الراحة والاستجمام شهراً كاملا على الاقل!
اندفع من المستشفى في طريقه لاثينا. ووجد مطار اثينا مغلق بسبب الإضراب يومها. وضرب في أجواء أوربا علَّه يجد طريقاً يوصله لعاصمة الاغريق. برّاً كان أو بحراً. وكان قد حط به الرحال قبلا. في العاصمة الاردنية عُمان. كان المؤتمر قد أكمل أعماله بنجاح. ويوشك أن ينفض. إتصل برئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر “علي إبراهيم”، وما شكا مرضاً ولا إرهاقا. لكنه كان يعتذر في ألم ومرارة عن التاخير في الحضور. وطلب منه أن يظل المؤتمر في حالة إنعقاد. حتى يلحق بهم في أول طائرة تحط رحالها في أثينا. إذ له رسالة مهمة يود ابلاغها للمؤتمرين. أُبلغ المؤتمر بقرب مجيئه وإصراره على الحضور. وتقبَّل قراره بالتصفيق الحاد.
وفي مساء السبت، التاسع من يناير 1982م. هبطت طائرته في مطار أثينا. َورغم وعثاء السفر والإرهاق الطويل كان في غاية السعادة.
أسرع إلى فندق “الملك مينوس” وأرسل مرافقه الوحيد “أحمد حامد” لياتيه باكل، حين أراد أن يذوق طعاما لأول مرة بعد مدة طويلة لم يذق خلالها. وليرى خاله وأباه الذي رباه. أستاذ الأجيال أحمد خير المحامي. الذي كان ينتظره في شُقَّة فندقية بالمدينة. أراد أن يلتقيه. وليلحق بالمؤتمرين المنتظرين الليلة ذاتها وليس غدا.
وكان طلبه”ساندوتش فول أو طعمية”، إذ كان يحب الأكلات الشعبية. والكسرة “بام رقيقة”.. خرج مرافقه ملبياً لطلبه. وأغلق الشريف باب الحجرة بعد خروجه. وانتقل من المقعد الذي كان يجلس عليه إلى السرير ليقضي نحبه. مرتاحاً في رقدته الأخيرة. وكأنَّه يغطُّ في نوم عميق. وليس عليه مظهر من مظاهر الموت. حين عاد المرافق. وطرق الباب ولم يكن هناك مجيب. فاستعان بإدارة الفندق وفُتح الباب. وظنوا أنه مغمى عليه من آثار السفر والارهاق. فنودي على المستشفى وحضر الإسعاف يحمل الطبيب. ولم يصدق الحاضرون ان الله اختاره إلى جواره. وأنَّ البطل العظيم قد إستشهد!.

للحقيقة وللتاريخ هنالك تفاصيل كثيرة يجب أن تدون بخصوص وفاة الشريف ورحلته الأخيرة وما حدث بعد ذلك. لكن ايجازاً للترجمة واجزاءَها العشرة. إكتفينا باعلاه، مقتبسين بتصرف من كتاب: لوطني وللتاريخ(مذكرات الشهيد الشريف حسين الهندي، ص478). وإفادة مدونة وهاتفية من الدكتور علي إبراهيم حول ظروف وملابسات وفاة الشريف – من مقر إقامته باليونان.
إذَنْ رحل الشريف جائعاً وهو الذي كان يملك الدنيا بين يديه. ويسوقها من قرنيها!
والشريف على إتساع أبعاده العربية والافريقية. ومحيطاته العالمية. كان سودانيا قحَّا. بسيطاً في تفاصيل حياته. وإنساناً عظيم الإنسانية في تفاعله مع الأحياء والأشياء. قبل أن يكون سياسياً. وكل شيئ. لقد منح السودان كل عمره وضحَّى في سبيل إسعاد مواطنيه بكل حياته. ولم يأخذ منه شيئ. لذا سيظلُّ إسمه ونموذجه رمزاً في حاضر السودان ومستقبله.

الجدير بالذكر، بعد إعلان وفاته. رفض النظام الحاكم في الخرطوم بدايةً إستقبال الجثمان، وكان إذا استمر في رفضه ذلك، سيكون بمثابة فجور في الخصومة السياسة منه حتى للموتى مثلما فعل في إعلان وفاة الزعيم الأزهري. وعدم تقدير للرجال الوطنيين أمثال الشريف ومكانتهم، ايًّ كانوا معارضين له.
طار الجثمان محلقاً في الفضاء وطاف عدة دول قبل أن يهبط في الخرطوم بعد تدخل البعض وقبول النظام استقبال الجثمان ودفنه في السودان.
من المملكة العربية السعودية إتصل الأمير نايف بن عبدالعزيز آل سعود(وزير الداخلية) بالحاضرين بمنزل “عصام العمدة” مكان العزاء باثينا – اليونان. مقدماً تعازي المملكة العربية. ومعرباً عن رغبتهم في استقبال الجثمان ودفنه بالسعودية.
كان الجثمان قد سافر إلى ليبيا ومعه وفد مرافق. لصلة الشريف بدولة ليبيا وقيادتها للصلاة عليه والوداع. وقدم العقيد معمر القذافي التعازي في فقده مُمجداً أدوار الفقيد الوطنية والقومية. وتكلم باسم الوفد “الخال أحمد خير” شاكراً القذافي ودولة ليبيا على الاستضافة ومواقفها.
بعدها سافر الجثمان إلى العراق، أيضا لصلة الشريف بدولة العراق وقيادتها، واستقبل الجثمان وصُليَّ عليه وبودِّلت التعازي فيه. وكان استقبالا مؤثراً تم التوثيق لمشاهده تصويراً، ونعاه التلفزيون العراقي. بعدها سافر الجثمان إلى الخرطوم، ووُريَّ الثرى بضريح والده العارف بالله الشريف يوسف الهندي وبعض خلفاء الطريقة الهندية النبوية المحمدية.

رحم الله الشريف حسين.. لله درَّه في الخالدين. مع الصديقين والشهداء والصالحين.
___________________
مصادر ومراجع:
1. لوطني وللتاريخ(مذكرات الشهيد الشريف حسين الهندي)
2. الشريف حسين الهندي(أسرار.. وخفايا) صديق البادي
3. الحرب الطويلة(السيرة الذاتية للشريف حسين الهندي)، لقمان علي إبراهيم
4. كنت قريبا منهم(الجزء الأول)، محمود أبو العزائم
5. الجبهة الوطنية السودانية، صديق البادي
6. حديث الأستاذ غازي سليمان المحامي، في ندوة تدشين صدور كتاب لوطني وللتاريخ(مذكرات الشهيد الشريف حسين الهندي) على اليوتيوب.
7. حديث الدكتور مضوي الترابي، لقناة النيل الأزرق السودانية. بمناسبة الذكرى 34 لرحيل الشريف حسين الهندي، على اليوتيوب.
8. إفادات شخصية: مولانا فتح الرحمن البدوي، دكتور علي إبراهيم، الأستاذ سيد هارون، بابكر الضي، الأستاذ عبدالماجد محمد عبدالماجد، الشريف صديق الهندي، الشريف الأمين الصديق الهندي، محمد الأمين مصطفى، …الخ

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole