تقرير_آفاق احمد محمد
لم تكن مليشيا الدعم السريع تدخل إلى الطينة وهي تتوقع مقاومة طويلة كانت تظن أن المدينة يمكن أن تُخضع كما أُخضعت مدن أخرى وأن الصدمة الأولى ستكفي لإسقاطها وأن الخوف سيقوم بالمهمة نيابة عن الرصاص لكن ما حدث قلب المعادلة بالكامل فالطينة التابعة لولاية شمال دارفور لم تكن مدينة نائمة عند حافة الحدود بل كانت مدينة مستعدة تعرف أن سقوطها ليس حدثاً محلياً بل كسراً لخط سيادي حساس بين دولتين وتغيير خطير في ميزان القوة على الشريط الحدودي
الهجوم لم يكن مجرد تحرك عسكري بل كان رهاناً على إخضاع مجتمع كامل عبر القوة والهوية معا كان تقدير قائم على أن الطرق المفتوحة ستظل مفتوحة وأن الصحراء الواسعة ستمنح المهاجمين دائما خيار الانسحاب لكنهم لم يحسبوا أن المدينة التي تعلمت من نار السنوات الماضية لم تعد تنتظر المصير بل تستعد له وأن القوات التي تمركزت في محيطها لم تكن في وضع دفاع تقليدي بل في وضع تطويق محكم أغلق منافذ الحركة وحول محاور التقدم إلى مصائد نارية
دخلت القوة المهاجمة وهي تعتقد أن الأمر مسألة وقت قبل أن تنكسر الخطوط الأمامية لكنها وجدت نفسها أمام واقع مختلف مدينة متماسكة قوات منتشرة بإحكام طرق هروب أغلقت في اللحظة الحاسمة وحين حاولت المليشيا التراجع اكتشفت أن المسارات التي اعتادت استخدامها لم تعد متاحة وأن الفضاء الذي ظنته منفذا آمنا تحول إلى طوق ضيق يشتد حولها كلما حاولت الانفلات
في الطينة لم تكن المعركة مجرد تبادل إطلاق نار بل كانت لحظة سقوط لوهم المدينة السهلة وسقوط لفكرة أن الحدود رخوة يمكن اختبارها بلا ثمن هناك اصطدمت خطة الإخضاع بجدار جاهزية غير متوقع وهناك تحولت محاولة الاقتحام إلى ارتباك وفرار غير مكتمل وهناك وجدت القوة التي جاءت لتفرض واقعاً جديداً نفسها تبحث عن مخرج فلا تجد لأن المدينة التي حسبتها قابلة للكسر كانت قد قررت أن تبقى وأن تغلق الطريق خلف من جاء ليكسرها
__ كيف استهدفت المليشيا الطينة ولماذا
بحسب مصادر عسكرية تحدثت لسودان 4 برس فإن التحول الأخطر في سلوك مليشيا الدعم السريع جاء عقب تخلي حركات الكفاح المسلح عن الحياد ودخولها فعليًا في القتال إلى جانب الجيش ضمن تشكيلات القوات المشتركة عندها لم تعد المواجهة في نظر المليشيا مجرد صراع عسكري على الأرض بل أخذ منحى انتقاميًا واضحًا استهدف المكونات القبلية التي تُعد حاضنة اجتماعية لتلك القوات
المصدر العسكري أوضح أن المليشيا بدأت تنظر إلى المعركة بأعتبارها مواجهة مع (الند) الاجتماعي لا فقط العسكري ووفق هذا المنطق تحولت العمليات من محاولات سيطرة تكتيكية إلى ما يشبه حرب ثأر قبلي وإثني حيث جرى توجيه الخطاب والتعبئة نحو شيطنة مكونات بعينها واعتبارها خصمًا وجوديًا لا شريكًا في وطن واحد وتكرر في خطابها الداخلي حديث عن تغيير سكاني بما يعكس انتقالًا خطيرًا من منطق الحرب العسكرية إلى منطق إعادة تشكيل الخريطة الديموغرافية بالقوة
في هذا السياق جاء استهداف الفاشر بأعتبارها مركز ثقل للقوات المشتركة وعمقًا اجتماعيًا لقواعدها ثم اتجه التصعيد نحو مناطق تُعد امتدادًا تاريخيًا لقبائل الزغاوة التي رأت فيها المليشيا خصمًا مباشرًا بعد دخول الحركات في القتال غير أن هذا التقدير يكشف في جوهره خطأً بنيويًا في قراءة المشهد إذ ما تزال المليشيا تتعامل مع القوات المشتركة باعتبارها امتدادًا لقبيلة واحدة بينما الواقع الميداني يؤكد أن هذه القوات تضم طيفًا واسعًا من المكونات الدارفورية والسودانية وأنها تحالف عسكري تشكل على أساس مواجهة مشروع مسلح لا على أساس رابطة دم واحدة
ضمن هذا التصور الخاطئ برزت الطينة كهدف استراتيجي فالمدينة ليست فقط موقعًا حدوديًا حساسًا بل تمثل أيضًا امتدادًا اجتماعيًا لمكونات مشاركة في القتال ضد المليشيا واستهدافها كان يحمل رسالة مزدوجة رسالة عسكرية مفادها كسر خطوط الإمداد والتمركز على الشريط الحدودي ورسالة اجتماعية تقوم على معاقبة ما ظنته المليشيا حاضنة قبلية محددة
لكن المعركة كشفت حدود هذا الرهان فالقوة التي جهزت لضرب الطينة على أساس تصور قبلي ضيق اصطدمت بواقع مختلف مدينة متماسكة قوات مشتركة متعددة الانتماءات جيش ومستنفرون يقاتلون ضمن تشكيل واحد وهو ما جعل محاولة تحويل الحرب إلى ثأر إثني تنقلب إلى مواجهة عسكرية مباشرة خسر فيها الرهان على التفكيك الاجتماعي قبل أن يخسر الرهان الميداني
___ من الحدود إلى الحصار كيف سقطت خطة السيطرة
تحركت سيارات الدفع الرباعي بكثافة من الشريط الحدودي بين السودان وتشاد وتقدمت مجموعات أخرى من محور الفاشر في محاولة واضحة لتطويق محلية الطينة وفرض السيطرة عليها خلال ساعات قليلة الخطة كما ترجح مصادر ميدانية اعتمدت على الاندفاع السريع وتعدد المحاور لإرباك الدفاعات وإسقاط المدينة قبل أن تتماسك خطوطها
لكن ما حدث كان عكس التقديرات تماما إذ فوجئت القوة المهاجمة بصد قوي ومنظم من الجيش والقوات المشتركة والمستنفرين الذين كانوا قد أعادوا انتشارهم وأحكموا السيطرة على المداخل الحيوية للمدينة الاشتباكات اندلعت بعنف على أكثر من محور وتحولت محاولة الاقتحام إلى معركة مفتوحة خسر فيها عنصر المباغتة الذي راهنت عليه المليشيا
خلال المواجهة تكبدت القوة المهاجمة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد حيث دمرت آليات قتالية وتعطلت أخرى تحت كثافة النيران وتم الاستيلاء على بعض المعدات فيما تشير شهادات ميدانية إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى وسط صفوف المليشيا
الأخطر أن القوة التي اندفعت إلى داخل الطينة لم تحسب حساب مرحلة الانسحاب فبعد دخولها المدينة أغلقت القوات الدائرة عليها وأحكمت السيطرة على طرق الخروج الرئيسية والفرعية لتتحول مساحة التحرك إلى طوق ضيق يحاصر المهاجمين بعض عناصر المليشيا حاولت التسلل في مجموعات صغيرة لكن الطوق الأمني حال دون ذلك فيما أفادت مصادر عسكرية أن عددا من عناصر المليشيا سلموا أنفسهم للقوات بعد تعذر الفرار
ومع تضييق الخناق حاولت مجموعات من المليشيا تجاوز الخط الحدودي نحو الأراضي التشادية في محاولة للانسحاب عبر العمق الحدودي غير أن هذه الخطوة فجرت توترا مباشرا على الشريط الفاصل إذ رفض بعض عناصر الجيش التشادي المنتشرين في المنطقة هذا التسلل واعتبروه سلوكا غير منضبط وتجاوزا لسيادة بلادهم وبحسب روايات متقاطعة اندلعت مواجهات محدودة بين الطرفين بعد أن حاولت عناصر المليشيا فرض أمر واقع عبر العبور القسري
بهذا التحول لم تعد معركة الطينة مجرد اشتباك داخلي بل أصبحت لحظة احتكاك إقليمي حساس كشفت خطورة الزج بالمدن الحدودية في مغامرات عسكرية غير محسوبة وأظهرت أن محاولة السيطرة الخاطفة يمكن أن تنقلب إلى حصار خانق حين تغيب حسابات الخروج قبل الدخول
___ حدود مشتعلة… المليشيا تستفز وتشعل فتيل الصراع
في تطور خطير ينذر بتصعيد مفتوح على الحدود السودانية التشادية اعتدت قوة تتبع لمليشيا الدعم السريع على وحدات الجيش التشادي المرابطة ونهبت مركباتهم واستولت على أسلحتهم وعتادهم في حادثة وصفت بأنها تجاوز سافر للحدود والقوانين وهو الاعتداء الرابع منذ بداية العام ما يؤكد أن المليشيا تتصرف بلا رادع ولا حساب لمخاطر إشعال فتيل صراع إقليمي
ومنذ بداية الحرب ظلت الحدود مفتوحة واعتبرت المليشيا ذلك فرصة للاستفزاز والتجريب فتجرأت على تجاوز السيادة واختبار صبر الدول المجاورة فيما تحمل صفحات منتسبيها على وسائل التواصل رسائل صريحة(لا أحد يمنعنا من العبور) في إشارة واضحة إلى استهتار كامل بالقوانين وبدول الجوار وإلى استعدادهم لخوض مغامرات خطيرة قد تتحول إلى مواجهة مسلحة مباشرة
المصادر تؤكد أن هذه السلوكيات ليست مجرد تجاوزات فردية بل استراتيجية مقصودة لإثارة التوتر وفرض أمر واقع بالقوة وهو ما يضع العلاقة بين السودان وتشاد على فوهة صراع لا يمكن التنبؤ بعواقبه التحشيد الرقمي والانفلات الميداني يجعل الحدود مشتعلة ويجعل مواجهة أصدقاء الأمس المحتملة مسألة وقت ويحول المنطقة إلى ساحة اختبار لمستقبل دارفور وإقليمها بأسره ما يضع الجميع أمام مسؤولية عاجلة لوقف هذه الانتهاكات قبل أن تنقلب الاحتكاكات العابرة للحدود إلى حرب مفتوحة
___ مناوي يغرد… الطينة شاهدة على إصرار المقاومة
جاءت تغريدة لحاكم إقليم دارفور على صفحته بالفيسبوك عقب هجوم مليشيا الدعم السريع على الطينة مؤكداً أن المليشيا الإرهابية عادت لاستهداف المواطنين العزل على أساس عرقي وعنصري في سلوك إجرامي متكرر يجسد أبشع صور الانتهاكات بحق الأبرياء
وقال الحاكم إن ما حدث اليوم في الطينة يؤكد بجلاء نوايا المليشيا في تهجير بعض قبائل إقليم دارفور وفرض واقع ديمغرافي بالقوة والسلاح مضيفاً أن هذه الجرائم لن تزيد أهل دارفور إلا تماسكا وصلابة ولن تنجح أي مخططات خارجية تستهدف المدنيين العزل في كسر إرادة الشعب أو اقتلاعهم من أرضهم
وأكد أن طالما هناك أبطال من المقاومة الشعبية والمستنفرين يقفون سداً منيعا في وجه العدوان فإن دارفور ستبقى عصية على الانكسار وأن الطينة ليست مجرد مدينة صمدت بل رمز لإصرار المنطقة على الدفاع عن سيادتها وحقوق سكانها أمام محاولات الإبادة المجتمعية والتغيير القسري للواقع السكاني.
__ الطينة نموذج للصمود الاستراتيجي
الهجوم الذي شنته مليشيا الدعم السريع على مدينة الطينة لم يكن مجرد مناوشة عابرة بل اختبارًا صارخًا لقدرة الدولة والقوات المشتركة على حماية المدنيين والحفاظ على سيادة الأراضي على الشريط الحدودي ما كشفته هذه المواجهة ليس فقط عن فشل المليشيا في تحقيق أهدافها بل عن قوة التخطيط الاستراتيجي وانضباط القوات المشتركة والجيش والمستنفرين الذين حولوا الهجوم العدواني إلى فشل تكتيكي ذريع وأثبتوا أن الإرادة والتنسيق الميداني يمكن أن يقلب موازين القوة مهما حاول المعتدون فرض واقع بالقوة والسلاح
تجربة الطينة تؤكد أن القدرة العسكرية لا تُقاس بالعدد أو العتاد فقط بل بالقيادة المحكمة والتخطيط الاستراتيجي وتماسك القوات ووعي المجتمع المحلي وهو ما يجعل أي محاولة للتهجير القسري أو التغيير الديموغرافي بالقوة خطة فاشلة قبل أن تبدأ الصمود الذي أظهرته المدينة أرسل رسالة واضحة لكل المعتدين أي اعتداء على المدنيين أو على سيادة الأراضي سيواجه مقاومة منظمة ولن يمر دون ثمن باهظ وأن أي خطة لإضعاف الإرادة الوطنية ستتحطم على صخرة التخطيط والانضباط والمجتمع الموحد
الطينة اليوم ليست مجرد مدينة صمدت بل نموذج احترافي للصمود الاستراتيجي دراسة ميدانية في إدارة المعركة وحماية المدنيين ودليل عملي على أن التنسيق بين القوات الانضباط العسكري ودعم المجتمع المدني يشكل سلاحًا فعالًا يردع العدوان يحمي السيادة ويحول أي اعتداء عدواني إلى فشل استراتيجي الرسالة واضحة من يحاول فرض الهيمنة بالقوة سيكتشف أن صمود الإرادة الوطنية وجدار الدفاع المنظم سيقفون سدًا منيعًا أمام أي اعتداء وأن أي مخطط لتغيير الواقع بالقهر لن يمر وأن الطينة ليست مجرد صمود بل رمز لقوة التخطيط والانضباط والمقاومة التي لا تُكسر.




