لم يكن ظهور قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) الأخير من خارج السودان حدثاً إعلامياً عادياً، ولا خطاباً سياسياً تقليدياً يمكن قراءته في سياق الدعاية الحربية المعتادة، بل جاء أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ«جلسة اعتراف مفتوحة»، كشف فيها – من حيث أراد الدفاع عن نفسه – حجم التناقض والارتباك والانفصال عن الواقع، وأقرّ بسلسلة من الوقائع التي تشكّل في مجملها مادة إدانة سياسية وأخلاقية وقانونية غير مسبوقة.
فالخطاب، بتوقيته ومضمونه وطريقة إخراجه، يعكس حالة ضغط شديد يعيشها الرجل ومليشياته، كما يكشف عن محاولة يائسة لإعادة التموضع إقليمياً طابعها الأبرز التوجه نحو إفريقيا، ورفع الروح المعنوية لقوات تتآكل ميدانياً وتنظيمياً، في ظل تراجع واضح وفقدان متزايد للموارد والغطاء السياسي.
أخطر ما ورد في الخطاب هو ما يمكن اعتباره إقراراً ضمنياً بمسؤولية مليشياته عن إشعال الحرب، حين حاول إعادة سرديات تبريرية تتعلق بالصراع مع الإسلاميين والنظام السابق، وهو خطاب لا يخاطب الواقع بقدر ما يحاول إعادة كتابة التاريخ السياسي للأزمة بطريقة انتقائية، لكنه في جوهره يكشف أن الحرب كانت مشروعاً سياسياً وليس مجرد رد فعل كما حاول تصويرها سابقاً.
في مفارقة لافتة وتناقض فج، أعلن حميدتي أنه أصبح مع فصل الدين عن الدولة، في محاولة واضحة ومكشوفة لاستمالة دوائر سياسية خارجية، بينما هاجم ما سماه «دين الكيزان»، وهو طرح يعكس ارتباكاً فكرياً وسياسياً، ويؤكد أن الخطاب الديني بالنسبة له لم يكن يوماً إطاراً قيمياً، بل أداة توظيف سياسي متبدلة حسب الحاجة والظرف.
ومن أخطر ما ورد أيضاً إقراره بضرب شاحنات إغاثة قال إنها تحمل ذخيرة، وهو اعتراف يفتح الباب واسعاً أمام المساءلة القانونية، خاصة في ظل تقارير متعددة تؤكد استهداف قوافل إنسانية ومنشآت خدمية، بما يعزز صورة المليشيا كقوة لا تلتزم بقواعد الحرب ولا بالقانون الدولي الإنساني.
لم يخلُ الخطاب من إشارات تهديدية تتعلق بالاقتصاد، بما في ذلك الحديث عن تعطيل النظام المصرفي، وهو ما يعكس انتقال خطاب المليشيا من محاولة السيطرة العسكرية إلى محاولة الضغط الاقتصادي، في مؤشر واضح على العجز عن تحقيق مكاسب ميدانية حقيقية.
حديثه عن تأثير الطائرات المسيّرة في وقف تقدّم قواته يمثل اعترافاً صريحاً بفشل مشروع السيطرة على العاصمة ووسط البلاد بل فيه إقرار بيِّن بالهزيمة والانكسار، وهو ما يؤكد أن ميزان القوة الميداني لم يعد لصالحه، وهو ما يفسر نبرة التبرير ومحاولة إلقاء اللوم على عوامل خارجية.
اعترافه بالاستعانة بمرتزقة أجانب لتشغيل المسيّرات يشكل دليلاً إضافياً على الطابع غير الوطني للمليشيا، ويعزز الرواية التي ترى أنها مشروع عابر للحدود يعتمد على الدعم الخارجي أكثر من اعتماده على قاعدة داخلية.
انتقاده للمملكة العربية السعودية ومنبر جدة لا يمكن قراءته إلا في إطار محاولة إرضاء داعميه الإقليميين، خاصة في ظل التنافس الإقليمي على إدارة ملف السودان، وهو خطاب يعكس انتقاله من موقع الباحث عن الوساطة إلى موقع المهاجم لمسارات السلام.
حديثه عن أن الحل يجب أن يكون أفريقياً، وظهوره بالزي الإفريقي، يكشف عن محاولة واضحة لإعادة التموضع سياسياً بعد تراجع الدعم في محيطه العربي، في خطوة تبدو أقرب إلى استجداء سياسي واستلطاف وإلهاء أكثر منها خياراً استراتيجياً حقيقياً.
أما لقاء حميدتي ووفد ما يُعرف بـ«تأسيس» بالرئيس الأوغندي يوري موسيفيني، فلا يمكن قراءته خارج إطار سعي المليشيا المحموم لاكتساب شرعية سياسية خارجية تعوّض خسائر الداخل وتراجع حضورها الميداني، ومحاولة تقديم نفسها بوصفها طرفاً سياسياً يمكن التعامل معه إقليمياً. غير أن ما صدر عن موسيفيني عقب اللقاء جاء حذراً ومقتصراً على التأكيد على ضرورة الحوار والحل السياسي ووقف الحرب، دون أي إشارة إلى اعتراف أو تبنٍّ لمواقف الوفد، وهو ما يعكس إدراكاً واضحاً لحساسية الملف السوداني وتعقيداته. وتكمن دلالة هذا الموقف في أنه يضع سقفاً واضحاً لأي محاولة لتسويق واقع سياسي موازٍ، كما يكشف في الوقت ذاته عن حرص أوغندا على الحفاظ على دور الوسيط الإفريقي دون الانزلاق إلى مربع الاصطفاف، الأمر الذي يعني أن اللقاء، رغم ما أحيط به من ضجيج إعلامي، لم يحقق للمليشيا ما كانت تسعى إليه من كسب سياسي نوعي، بقدر ما أكد استمرار عزلتها وصعوبة تحويل تحركاتها الخارجية إلى شرعية فعلية.
أما الجمع المُستجلب الذي جرى تمويله وحشده بالمال والمناداة وتجميعه تحت مُسمّي “حشد الجالية السودانية” في يوغندا، فإنه لا يصنع شرعية مهما ارتفعت الضوضاء الإعلامية المصاحبة له، لكنه في الوقت ذاته يشكّل جرس إنذار للحكومة الشرعية المعترف بها دولياً بأن الفراغ، إن وُجد، يملؤه الآخرون، وأن الطبيعة السياسية — كما الطبيعة الفيزيائية — لا تعترف هي الأخرى بالفراغ.
تغيير ملابسه عدة مرات خلال ساعات قليلة، بين الزي التقليدي والإفريقي والملابس المدنية، وفي محاولة لاستثارة الرمزية الثقافية الإفريقية ومخاطبة مشاعر المجتمع الإفريقي، بدا أقرب إلى عرض مسرحي مرتبك يعكس محاولة صناعة صورة متعددة الوجوه، لكنه في الواقع أظهر حالة من فقدان الثبات والهوية السياسية.
واضح أن الخطاب كان موجهاً بالدرجة الأولى إلى عناصره، في محاولة لرفع معنويات قوات تعاني من نقص المرتبات والعلاج والإمداد، وتشهد حالات انشقاق واستسلام متزايدة، ما يجعل الخطاب أقرب إلى رسالة طمأنة داخلية منه إلى خطاب سياسي خارجي.
لا يمكن فصل توقيت ظهوره عن التصريحات الدولية التي شككت في إمكانية التواصل معه، ما يجعل الظهور محاولة لإثبات الحضور السياسي والشخصي، أكثر منه مبادرة سياسية ذات مضمون حقيقي.
في المحصلة، لم يكن خطاب حميدتي الأخير سوى مزيج من الاعترافات غير المقصودة، والتناقضات الفكرية، ومحاولات إعادة التموضع السياسي، لكنه في جوهره كشف حجم الأزمة التي يعيشها مشروع المليشيا عسكرياً وسياسياً وأخلاقياً.
فالظهور الذي أراد له أن يكون استعراض قوة، تحوّل إلى شهادته على نفسه وقواته بالفظائع والانتهاكات، ودليل إضافي على حالة الضعف والتآكل والهزيمة، وعلى أن مسار الحرب دخل مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة المليشيا على المبادرة، وتتصاعد فيها محاولات البحث عن شرعية خارجية تعوّض خسائر الداخل.
ويبقى الثابت أن مثل هذه الخطابات، مهما حاولت إعادة صياغة الواقع، لا تستطيع تغيير حقائق الميدان ولا مسار التاريخ، حيث تظل إرادة الدولة وبقاء مؤسساتها العامل الحاسم في نهاية أي صراع، لأن الحروب قد تطول لكن الدول وحدها هي التي تبقى.
السبت 21 فبراير 2026م




