في لحظات الانكسار الكبرى تُختبر المعادن الحقيقية للناس هناك من يقف ليحمي ما تبقّى من جدران الوطن وهناك من يختار أن يضرب الأساس بحجة أنه يكره السقف في هذا المشهد المربك خرج علينا بعض السياسيين وبعض الكتّاب ليخلطوا بين معارضة مشروعة وبين عداء صريح لفكرة الدولة نفسها فصار الجيش عندهم هدفًا دائمًا للتشويه وصار كل من يقاتل تحت راية الوطن شيطانًا كاملاً بلا ظل ولا تاريخ
الجيش الذي يقاتل اليوم – بكل مسمياته وتشكيلاته – ليس بيانًا أيديولوجيًا ولا حزبًا موسميًا هو مؤسسة تضم أبناء السودان من كل جهاته هو الجيش النظامي وهو القوات المشتركة وهو درع السودان وهم المستنفرون ومن كتائب البراء بن مالك وغيرها من التشكيلات التي تشكّلت في قلب العاصفة قد أختلف معهم سياسيًا قد أرفض مشروعًا فكريًا أو خطابًا تعبويًا لكنني لا أملك أن أجرّدهم من سودانيتهم لأنني غاضبة من قائد أو رافضة لمسار سياسي
الخلاف مع الفريق أول عبد الفتاح البرهان ليس جريمة بل هو حق سياسي كامل يمكن نقده يمكن مساءلته يمكن تحميله مسؤولية خيارات كبرى لكن تحويل هذا الخلاف إلى معركة ضد المؤسسة العسكرية نفسها هو لعب بالنار في مخزن بارود لأن المؤسسة ليست فردًا وليست مزاجًا عابرًا وليست تصريحًا إعلاميًا هي بنية سيادية إن سقطت سقط معها آخر جدار يمنع الفوضى الشاملة
بعض ضعاف النفوس لا يهمهم إن بقي الوطن أو احترق لا يعنيهم إن تمزّقت مؤسساته أو صمدت ما يعنيهم فقط هو موقعهم في مشهد ما بعد الحرب نصيبهم من السلطة رضا عاصمة بعيدة أو تصفيق جمهور افتراضي هؤلاء يتاجرون بالكلمات كما تُتاجر السلع في سوق مفتوح يرفعون شعار المدنية صباحًا ويهدمون ركائز الدولة مساءً يتحدثون عن الثورة لكنهم لا يتورعون عن تمهيد الطريق لفراغ لا يملؤه إلا السلاح المنفلت وأمراء الميليشيات.
الشيطنة سهلة أن تكتب منشورًا غاضبًا وتختصر مؤسسة كاملة في كلمة عصابة أو مرتزقة أو مجرمين أمر لا يحتاج شجاعة لكن الشجاعة الحقيقية أن تفرّق بين نقد مشروع وبين هدم متعمّد أن تقول نعم للإصلاح لا للتفكيك نعم للمساءلة لا للتجريد الكامل من الشرعية
الجيش الذي يقاتل اليوم ليس جيشًا مستوردًا لم يهبط من طائرات أجنبية ولم يُصنع في مختبرات خارج الحدود هم أبناء الأحياء التي نعرفها والقرى التي نحفظ أسماءها والعائلات التي دفعت من دمها قد نختلف معهم في السياسة لكننا لا نستطيع أن نمحو جذورهم من هذه الأرض لأن ذلك يخدم خطابًا لحظيًا
الأخطر أن بعض من يزايدون اليوم يفعلون ذلك من خارج البلاد. من مدن آمنة من مقاهي مكيفة من منابر بعيدة لا تسمع دوي القصف الهروب حق إنساني والبحث عن الأمان لا يُدان لكن ليس من حق من غادر أن يتعامل مع الوطن كفكرة مجردة يختبر عليها بلاغته الثورية ليس من حقه أن يطالب بتفكيك المؤسسة التي تقف مهما اختلفنا معها في وجه انهيار كامل بينما هو خارج دائرة النار.
العالم لا يحترم من يبيع وطنه قد يستخدمه قد يصفق له قد يمنحه مساحة مؤقتة لكنه لا يحترم من يجعل بلده مادة للمذايدة لأن من يبيع وطنه اليوم يمكن أن يبيع حليفه غدًا هذه قاعدة يعرفها السياسيون جيدًا حتى لو تجاهلها الحالمون بالشعارات
نحن بحاجة إلى إصلاح عميق إلى إعادة بناء إلى جيش مهني خاضع لسلطة مدنية في دولة مستقرة نعم لكن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر حرق المؤسسة في لحظة حرب وجودية لا يمر عبر تحويل كل جندي إلى شيطان وكل تشكيل إلى عصابة لأنك حين تفعل ذلك فأنت لا تُسقط قائدًا بل تهزّ فكرة الدولة نفسها
السودان ليس صفقة ليس منصة لتصفية الأحقاد ليس ورقة ضغط في جيب سياسي طامح هو أرض وناس ومؤسسات ومن يظن أنه سيخرج بطلاً إذا انهار البيت فوق رؤوسنا جميعًا واهم الرماد لا يصنع مجدًا والفوضى لا تبني وطنًا والتاريخ لا يرحم من وقف يزايد بينما كانت البلاد تتشقق تحت قدميه
يمكن أن نختلف يمكن أن نغضب يمكن أن نصرخ لكن لا يحق لنا أن نحوّل هذا الغضب إلى معول يهدم ما تبقى لأن الوطن إذا سقط لن يبقى هناك جيش ننتقده ولا سلطة نعارضها ولا منبر نكتب فيه سيبقى فقط فراغ كبير لا يحترم أحدًا ولا يرحم أحدًا




