‏*لا قداسة في السياسة.. الأزهري مظلوما أم ظالما*

بموجب إتفاقية الحكم الذاتي الموقعة بين السودان ودولتي الحكم الثنائي جرت أول إنتخابات برلمانية في نوفمبر من العام 1953 ، وفاز بها الحزب الوطني الأتحادي برئاسة إسماعيل الأزهري حيث أحرز 51 مقعدا مقابل 22 مقعدا فقط لحزب الأمة ، في الثاني من يناير إنعقد البرلمان لإختيار رئيسه فاقترح حزب الأمة أن يكون الرئيس مستقلا ، رفض الأزهري وحزبه هذا المقترح ففاز مرشحا الإتحادي للبرلمان ولمجلس الشيوخ ، وفي 6 يناير 1954 تم إختيار الأزهري رئيسا للوزراء ..

‏ واجهت حكومة الأزهري ثلاث تحديات كبيرة تتعلق كلها بالخلافات السياسية بين الأحزاب ، التحدي الأول هو المعارضة الشرسة التي قادها حزب الأمة والتي كان عنوانها مقاومة توجه حزب الأزهري نحو تحقيق الوحدة مع مصر ، وإن كان ذلك صحيحا ولكن حزب الأمة تفاجأ بنتيجة الإنتخابات حيث كان يري أن نضاله تحت شعار ( السودان للسودانيين ) يؤهله للفوز وقيادة السودان نحو الإستقلال ، كما أن هناك ( غيرة أنداد ) منتشرة وقتها حول من سيرفع علم الإستقلال ، وهذه النقطة لم ينفرد بها بعض قيادات حزب الأمة وحدهم إذ كان هناك من داخل التيار الإتحادي من يعمل علي عرقلة بلوغ الأزهري هذه المحطة ..
‏وفي ظل تلك الأجواء وقعت أحداث مارس 1954 المؤسفة جدا ، وذلك إبان زيارة الرئيس المصري محمد نجيب لحضور حفل تدشين البرلمان السوداني فاحتشدت جماهير حزب الأمة من العاصمة ومن الولايات حول المطار وطوال الطرق نحو القصر الجمهوري وهي تهتف ( لا بريطاني ولا مصري .. السودان للسوداني ) ، وتم الإحتكاك بالشرطة التي استخدمت السلاح فاستشهد ثلاثون مواطنا وجرح أكثر من مائة ،وكان من بين القتلي مدير البوليس البريطاني وعلي إثرها تم تأجيل إفتتاح البرلمان وغادر الرئيس محمد نجيب عائدا لبلاده ، ..

‏التحدي الثاني هو نشوب خلاف داخل التيار الإتحادي نفسه ، إذ كان الأزهري والمجموعة القريبة منه داخل الحزب يرون أن الختمية كطريقة صوفية وتيار ديني لا يجب أن تقود السياسة وتسيطر علي الحزب ، وان الجماهير إنما انحازت للأزهري ومجموعته بنضالهم و برنامجهم ، بينما كان هناك من يري أن الأزهري نفسه ليس ختميا وأنه ومجموعته صعدوا علي أكتاف الختمية وجماهيرها وحين وصلوا أرادوا الخروج من ( عباءة السيد علي الميرغني ) ولما احتدم الخلاف قام الأزهري بإجراء تعديل وزاري أخرج بموجبه ثلاثة من وزراء الحكومة ممن كانوا يتبنون رأي قيادة الطريقة الختمية وفي مقدمتهم ميرغني حمزة الذي كان منافسا شرسا للأزهري ، وكون بعد ذلك حزب الإستقلاليون الجمهوريون وتحالف مع حزب الأمة..
‏التحدي الثالث هو تحدي الجنوب ، فقد إختار الأزهري ثلاثة من الجنوب كوزراء دون حقيبة في حكومته ، ورفض الإستحابة لمطالبهم بإعطاء الجنوب الفيدرالية فاستقالوا إحتجاجا علي ذلك ، وكنتيجة مباشرة إندلعت الحرب في عام 1955 ..
‏ إستحكمت الخلافات بين القوي السياسية وبصورة حادة ، وفي نوفمبر عام 1955 تعرضت حكومة الأزهري ( لمؤامرة أطاحت بها وأبعدتها عن السلطة لبضعة أيام ، حيث انطلقت دعوة من الصحف ومن المعارضة تنادي بضرورة تكوين حكومة قومية ، ولما لم يستجب الأزهري تم إسقاط مشروع الموازنة في البرلمان وهو ما يعني سحب الثقة من الحكومة ) ..
‏أما إذا سألتني كيف تسقط الحكومة وهي تملك الأغلبية فالإجابة عند أحد وزرائها وهو السيد خضر حمد ( إنتقل العمل ضدنا إلي الخفاء وهو يرمي التخلص من الحكومة ،وأخذ بعض النواب يتسربون من الحزب ، وكان هناك جهود لتحويل بعضهم بالمساومات وبالمال ،وكان نبأ ذلك يصل إلينا ، بل بلغ الأمر حد التهديد بالقتل ) ..
‏بعد أربعة أيام إنعقدت جلسة البرلمان لإنتخاب رئيس الوزراء وترشح إسماعيل الأزهري وميرغني حمزة ، وللمفارقة فإن إسماعيل الأزهري فاز بفارق أربعة أصوات عن مرشح المعارضة ، ومرة أخري يحدثنا السيد خضر حمد ( عاد إلينا أربعة نواب من الذين كانوا تخلوا عن الحزب نتيجة الضغوط ) ..
‏رفض الأزهري مقترح السيد علي الميرغني بإجراء إستفتاء علي إستقلال السودان وتأزمت العلاقة بينهما ، وكان من نتيجة ذلك هو إنعقاد ما يعرف في السياسة السودانية ب ( لقاء السيدين ) السيد عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني وذلك في 4 ديسمبر عام 1955 ، حيث كانت العلاقة فاترة بل ومتوترة بينهما منذ أكثر من عشرين عاما وتمخض لقاؤهما عن الدعوة لحكومة قومية ، يقول المحجوب عن ذلك اللقاء ( أكبر كارثة في تاريخ السياسة السودانية ، حيث سعي عدوان لدودان مدي الحياة بدافع الجشع والتهافت علي السلطة والغرور والمصلحة الشخصية إلي السيطرة علي الميدان السياسي ) ولا شك أن السيدين إستشعرا خطورة توجهات الأزهري الساعية إلي خلق توجه سياسي مستقل عن السادة تكون الغلبة فيه للمثقفين والخريجين وليس للزعامات الدينية ، وقد اعتبر كثيرون أن ذلك اللقاء أنهي المحاولات المستمرة منذ تكوين مؤتمر الخريجين لبناء طبقة سياسية متحررة من الطائفية ومهد لإدخال السياسة السودانية تحت ( عباءة السادة ) ..

‏علي كل رفضت حكومة الأزهري الدعوة للحكومة القومية وقالت في بيانها ( إن الحكومة القومية بالصورة المقترحة من قبل لا تعني أكثر من الإشتراك في الحكم ) ..
‏فاجأ الأزهري الساحة السياسية بإعلانه الإستقلال من داخل البرلمان ، ولم يكن بد أمام المعارضة المدعومة من السيدين إلا تأييد خطوة الأزهري لأن الجماهير كانت تقف خلف الأزهري ، وهي التي خرجت في مظاهرات عارمة عندما تقدم بإستقالته منادية بعودته بل وبتمكينه من تنفيذ برنامجه..
‏لم يكن موافقة المعارضة ومن خلفهم السيدين لخطوة إعلان الإستقلال إلا إستراحة قصيرة ضد الأزهري وحكومته ، حيث واصلوا نشاطهم بعد ذلك بصورة علنية ضد الحكومة ، ففي يونيو 1956 إنشق عدد كبير من النواب حين تم تأسيس حزب الشعب الديمقراطي المدعوم من قيادة الختمية وذلك حين توحد حزب الإستقلاليون الجمهوريون والإتحاديون الوحدويون ، وبعد شهر من ذلك أي في يوليو 1956 تم إسقاط الأزهري وتكوين حكومة إئتلافية بين حزب الأمة وحزب الشعب الديمقراطي برئاسة عبدالله خليل ، ‏وكان من نتيجة ذلك أن كون الوطني الإتحادي جبهة وطنية مع الحزب الشيوعي وإتحاد نقابات العمال ضد السيدين رافعا شعار ( لا قداسة في السياسة )

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole