*للعطر افتضاح د. مزمل أبو القاسم دموع الباز.. وزاهر (1)!*

* يقولون (سُمِّيَ السفر سفراً لإسفاره عن وجه صاحبه)؛ وفي الأسفار خمس فوائدٍ كما يقول الإمام الشافعي رضوان الله عليه: “وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ: تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسابُ مَعِيشَةٍ، وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِد”.. وقد كانت الرحلة يومها في بلادٍ تموت من البرد حيتانها كما وصفها عبقري الرواية العربية الطيب صالح. رحمة الله عليه.
* ضربنا في الأرض متخذين (M5) مسلكاً، بحسب ما أذكر وكنا متجهين يومها من لندن إلى مانشستر تلبيةً لدعوةٍ كريمةٍ وصلتنا من الإخوة الأحباب في تجمع السودانيين بالخارج بقيادة الأخ الحبيب الأستاذ أبو بكر شبو وصحبه الكرام الذين منحوا الوطن حقه وأسمعوا صوته ودافعوا عن حقوقه بجسارةٍ لا نستغربها فيهم، ووطنيةٍ معهودةٍ فيهم.
* كان بصحبتي الزميل الحبيب الصديق (رفيق الدرب) عادل الباز وعقيلته والأخ الصديق الصدوق (سَمِيِّ) مزمل صديق والأخ الحبيب زاهر محمد الطاهر، ومزمل وزاهر ممن ضربوا أكباد الإبل ميممين شطر الغرب في ريعان الصبا، فأصبح أحدهما بلجيكياً والآخر هولندياً، لكن الغربة لم تنزع من قلبيهما بذرة الانتماء لأجمل الأوطان، فظل الحنين للسودان متقداً في صدريهما ويسري منهما مسرى الدماء في العروق.
* كان الجو بارداً وماطراً والعربة تنهب بنا الأرض نهباً، ومذياعها ينطق بلسانٍ سوداني مُبين.. غرس حنجرته وبذل إبداعه ورفع رايته في قلب بلاد الفرنجة واحتل امبراطوريةً كانت شمسها لا تعرف الغروب.. إذ انتقى لنا زاهر مجموعة من أجمل الأغنيات السودانية، فأخذنا ندندن بها ونتغنى والدموع تغازل المآقي، والحنين يتقد في العيون قبل القلوب والأعصاب.. ثم طلب مني زاهر أن أنتقي من حديقة الغناء السودانية ما يطيب لي، فابتدرت خياراتي برائعة الطيب عبد الله الشهيرة (أرض الحبيب).
* سر الابتدار بها كان متصلاً بأن كاتبها (شاعرنا المبدع مبارك المغربي رحمة الله عليه) كتبها في بريطانيا، وكان حاله وقتها كحالنا إذ أمسك الحنين إلى الوطن بألبابه وسيطر على قلبه وأعصابه.. فكتب: (أيه بحر الشمال.. إنتي النيل حِداك.. صافي كالزلال عنده جلس ملاك).. وكتب: (وين زُرق العيون للعينيهو سُوُد)؟
* ثم عطفنا بعدها على بستان أحمد الجابري الغناء، وانتقينا منه زهرةً فواحةً بالعطر غرسها ابن الشرق المبدع أبو آمنة حامد فنمت وتفتحت وأينعت.. (ما نسيناك.. جايي تعمل أيه معانا بعد ما بدلتنا.. ما هديناك أحلى ما في عمرنا من عواطف وما لقيناك).. وسردت لهم حينها قصتي معه، عندما سألته ذات مرة عن قوله (الرهيف قلبو بيعيش في شكُّه أكتر من يقينه.. تستبيهو نظرة جارحة وتحترق بالحب سنينه).. سألته ألم يكن من الأوفق أن تقول (نظرة حالمة.. بدلاً من جارحة)؛ فرد قائلاً (ربما.. لكن أهي جات كدة)!
* قطفنا بعدها زهرةً أخرى من بستان أبي آمنة الغناء، واستمعنا إلى (وشوشني العبير) بصوت إبن البادية الصداح.. وفيها قال الأدروب الشفيف أروع أبيات الشعر منذ أن عرف البشر نظم القصيد (ختاها لشعراء المعلقات السبع في التمنيات).. حين قال: (صبيةٌ العِطرُ يشتهيها.. أمذنبٌ إذا أنا اشتهيت)؟ فرددنا خلفه (حاشاك)!
* كان لبلبل الجزيرة الصداح صالح الضي رحمة الله عليه نصيباً من خيارات موقعة (ذات الضباب) فاستمعنا إلى (دلال) لكنني اخترت أن نسمعها بصوت الشاب المبدع صاحب الحنجرة الحريرية (محمد الجزار)؛ الذي رحل عن الفانية قبل فترة مبكياً على شبابه الغض وصوته الطروب، ثم عدنا إلى حديقة ابن البادية مجدداً وسمعنا (كلمة) من نظم المبدع محمد يوسف موسى.. (أعيش في ظُلمة وإنت صباحي.. إنت طبيبي أموت بجراحي.. بشعري رفعتك أسمى مكانة يا الجازيتني بكسر جناحي)، ثم انتقلت (انحيازاً مني لجيل الشباب)؛ إلى روائع سيد خليفة رحمة الله عليه، لكن الانتقاء أتى مرتبطاً بأداء الكروانة مكارم بشير التي أعطت أغنيات سيد خليفة حقها ومستحقها، وغنت (يا منديل.. أعلى الجمال تغار منا.. ولَّى المساء.. يا صوتها.. أنا قلبي بِدُق).. فأجادت وتفوقت وأبدعت!
* طول الطريق وبرودته وابتلاله جعلتني أختبر مدى معرفة صديقي زاهر بالفن السوداني فطفقت أسأله عن اسم كل أغنية من رنتها الأولى، وظل يجيب بدقةٍ مذهلة، حتى أطلقت عليه لقب الصندوق الأسود لسِعة معرفته بالفن السوداني برغم طول سنوات الاغتراب، وعندما عطفنا على الهرم الشامخ وذروة سنام الفن السوداني (عثمان حسين رحمة الله عليه) وسمعنا (الدرب الأخضر وربيع الدنيا وشجن)؛ لم يستطع زاهر أن يحبس دموعه فانهمرت حتى عجز عن قيادة السيارة وجاملته دموعنا وواسته وهي تردد (تهيم خطواتي نشوانة.. تعانق دربك الأخضر.. وحاة اللوعة والآهات يا مشوار.. ما تقصر)!
* في مدينة مانشستر التي لا تكف سماؤها عن البكاء (كعينيّ حبيبنا الزاهر)، كان الاستقبال فوق الوصف، وكانت حدود الكرم السوداني الأصيل تُعجز الكلمات، وفيها قابلنا الحبيب أبو بكر شبو رئيس تجمع السودانيين بالخارج وصحبه الكرام ممن تدافعوا لحضور الندوة السياسية التي نظمها التجمع وحضرها المئات من أبناء الجالية السودانية في المملكة المتحدة، ممن خفوا ليلتها إلى موقع الندوة مساندين وداعمين شعبهم وبلادهم وجيشهم، وارتدى معظمهم (الكاكي)، ورددوا جلالات الجيش السوداني الباسل، بينما اختارت مهيراتهم أن يرتدين علم الوطن ثياباً.. وما أروعه من زي وما أبدعها من ثياب.
* وفي الندوة المحضورة المشهودة تحدث الأخ الدكتور صلاح البندر وأعقبه رفيقي وصديقي عادل الباز الذي حاكى زاهراً في خفة القلب ورقة الشعور عندما تحدث عن قسوة العدوان الذي تعرضت له بلادنا الحبيبة وأهلها ممن توسمنا فيهم المحبة والإخوة فقلبوا لنا ظهر المِجَن وناصبونا العداء وقاتلونا وقتلوا أهلنا وشردوا شعبنا ودمروا بلادنا بلا ذنبٍ جنيناه.. تحدث بكل الأسى وغالب دموعه فغلبته.. وانهمرت لتملأ المكان والزمان.
(نواصل).

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole