*بيان الخارجية: حينما يصبح الصمت أقوى من الكلام.. إبراهيم جعفر حسن*

بيان الخارجية: حينما يصبح الصمت أقوى من الكلام
قرأنا بيان خارجيتنا الموقرة، ثم أعدنا قراءته، ثم فركنا أعيننا، ثم قرأناه مرة ثالثة على أمل أن نكون قد أخطأنا الفهم. لكن للأسف، كان البيان واضحاً في ضعفه، فاضحاً في ركاكته، ومثيراً للشفقة في تردده. بيان بدا وكأنه كُتب على عجل بين استراحة شاي وأخرى، لا في قلب معركة دبلوماسية مصيرية توازي في أهميتها المعارك التي يخوضها جنودنا على الأرض.

تبدأ التحفة الدبلوماسية بإدانة استقبال أوغندا لزعيم المليشيا، وهذا جيد، بل هو الواجب. لكن بعد أسطر قليلة، وفي لفتة “كرم سيادي” لا نفهمها، يقرر كاتب البيان أن يلقي محاضرة مجانية في القانون الدولي على مسامعنا، فيقول: “تدرك حكومة السودان حق حكومة أوغندا السيادي في استقبال من تشاء”! يا سلام! ما هذا النبل؟ ما هذا الفهم العميق لمبادئ السيادة الذي يتفتق عنه ذهن دبلوماسيينا بينما دماء أهلنا لم تجف بعد؟ هل هذا بيان احتجاج أم ورقة بحثية في مؤتمر للعلوم السياسية؟ كأن لسان حالهم يقول: “نحن ندرك حقك في أن تصفعنا، لكننا نرجوك ألا تفعل لأن الصفعة تؤلم”.

ثم ينتقل البيان إلى لغة عاطفية تليق بمنشور على فيسبوك لا ببرقية دبلوماسية. “مليشيا إرهابية”، “عصابة آل دقلو”، “يندى لها الجبين”. كل هذا صحيح، بل هو أقل من الحقيقة. لكن في عالم الدبلوماسية، الرصاصة القانونية أشد إيلاماً من الصرخة العاطفية. أين الحديث عن خرق أوغندا لالتزاماتها بموجب المادة الرابعة من القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي؟ أين الإشارة إلى مبدأ عدم التدخل كقاعدة آمرة في القانون الدولي العرفي؟ أين تفكيك حجة “الوساطة” التي يتذرع بها موسيفيني، والتأكيد على أن الوساطة لا تعني تكريم من تتهمه المنظمات الدولية نفسها بارتكاب فظائع؟ يبدو أننا أرسلنا هواة للمشاركة في مباراة للمحترفين.

وتأتي الخاتمة لتتوج هذا الأداء الهزيل. فبعد كل الإدانة واللغة النارية، ماذا كانت النتيجة؟ دعوة رقيقة للحكومة الأوغندية أن “تنأى بنفسها” و”حرصاً على العلاقات الثنائية”. يا إلهي! هذا لا يرقى حتى لمستوى عتاب بين الأصدقاء. إنه أشبه بهمسة خجولة في أذن من بصق في وجهك. هل هذه هي اللغة التي يفهمها العالم؟ هل هذا هو الرد الذي يردع الآخرين عن تكرار فعلتهم؟

نشعر بالخجل. نشعر بأن تضحياتنا على الأرض لا يقابلها الحد الأدنى من الكفاءة والصلابة في المكاتب المكيفة. نريد بياناً له أنياب، لا بياناً يثير الضحك في كمبالا والشفقة في الخرطوم. نريد دبلوماسية توازي شجاعة جنودنا، لا دبلوماسية تكتب بيانات الاستجداء المقنّع. نريد موقفاً يقول للعالم: “احترموا دماءنا وإلا فاستعدوا لمواجهة العواقب”، لا موقفاً يقول: “نحن ندرك حقكم في إهانتنا، لكننا نرجو ألا تفعلوا”.

إلى وزارة خارجيتنا مع التحية: إذا كان هذا هو أفضل ما لديكم، فالصمت أحياناً يكون أقوى وأكثر كرامة.

إبراهيم جعفر حسن

مقالات ذات صلة

Optimized by Optimole